في عشق القبح ورفض الكمال المطلق

لأكثر من قرنين، عمل العرب جاهدين على تثبيت الزمن، اكتفوا بتبديل القشور وببعض المساحيق الشكلية، أما الجوهر فثابت لا يتغير.
الثلاثاء 2019/07/16
فن لا ينشد الكمال (من أعمال النحات الفرنسي رودان)

ما كان للتنوع الذي نشهده حولنا أن يكون لولا ما يسمى في علوم الأحياء بالـ”طفرة”. ولا تحدث هذه الظاهرة العلمية التي شكلت الأساس لعلم التطور، في الطبيعة فقط، بل يشاهد أثرها بوضوح في السلوك البشري، وفي الإنجاز الثقافي والإبداعي.

وإذا عرفنا الطفرة بأنها خلل طارئ يصيب ما هو منظم ومتوقع ومبرمج مسبقا، فإن الأخطاء البشرية هي الأخرى طفرات بشكل أو بآخر. في العمل الفني، يعتبر الإبداع بمثابة طفرة تكسر السائد، وتخرق المألوف. والمبدع صانع للطفرات، وإن لم يكن هكذا، ما صنف بين المبدعين.

الناقد الفني، ومتذوق الفن، هما شخصان قادران على اكتشاف الطفرات بشكل مسبق، وقادران أيضا على رؤية ما يمكن أن تحدثه تلك الطفرات من تغيير وتجديد. الكمال، على عكس ما قد يتصوره البعض، فاقد للجاذبية، خال من الحياة.. أعمال النحات الفرنسي رودان، المشوهة أحيانا لدرجة القباحة، أكثر جاذبية من عمل ينشد الكمال المطلق، مثل فينوس دي ميلو.

والطريق بين العملين، اللذين يفصل بينهما زمنيا ألفا عام إلا بضع سنوات، مليء بالطفرات وكسر القواعد الفنية المعمول بها. الكمال الذي بحث عنه الرسام الفرنسي جاك لويس ديفيد، في نزعته الكلاسيكية المحدثة، وتجسد بوضوح في عمله “قسم الإخوة هوراس”، شق هدوءه ووقاره فنان فرنسي آخر، ينتمي لنفس جيل ديفيد، هو أوجين ديلاكروا، وتجسد ذلك في أشهر أعماله الرومانسية “الحرية تقود الشعب”.

طفرة فنية أحدثت نقلة كان لها كبير الأثر في تطور الفن التشكيلي في فرنسا في القرن الماضي. تأثير الطفرات لا يقتصر على الفنون فقط، بل يمتد ليشمل الحياة بكافة تجلياتها، بدءا من المطبخ، ومرورا بخزانة الملابس، والعطور والمساحيق، والتصميم الصناعي والمعماري، وحتى النشاط الذهني، وانتهاء بالعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

السلفية، هي حرماننا من حق التجربة، وارتكاب الخطأ، وعشق القباحة، ورفض الكمال المطلق

ومثلما تعمل آلية الانتخاب الطبيعي، التي تفرز بين الطفرات وتختار أصلحها للبقاء، ونسمي ذلك تطورا، تتخلص نفس الآلية من الطفرات الأخرى، التي لا تتلاءم مع البيئة والمحيط، ونسمي ذلك انقراضا.

وبالطريقة نفسها تعمل آلية الفرز الإبداعي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي. القبول بالطفرات، ودورها في عملية التطور، سيفضي حتما إلى القبول بأهمية دور الأخطاء البشرية في تطوير المجتمع، ورفض الفكر المطلق، السائد والأزلي.

كيف تعاملت مجتمعاتنا العربية مع ظاهرة الطفرات.. بالطبع، رفضت قبول الفكرة من جذورها، فكل شيء موجود لغاية مسبقة، وما ينطبق على الطبيعة، ينطبق أيضا على الحياة بتجلياتها المختلفة.

لأكثر من قرنين، عملنا جاهدين على تثبيت الزمن، اكتفينا بتبديل القشور، أما الجوهر فثابت لا يتغير.. خلع الجلباب ولبس البنطلون، لم يكن نتيجة طفرات متلاحقة، بل استعارة استبدلنا بها لباسا بلباس آخر. الاستغناء عن الجمل والحصان والبغل في تنقلنا، وركوب السيارة والطائرة والدراجة، مجرد استعارات أخرى.

ومازلنا نبحث عن قوالب نكيف من خلالها أنظمتنا المالية، والصحية، والتعليمية، لتتماشى مع صورة مسبقة ورثناها من ألفي عام. فعقد الزواج، رغم القوانين التي استعرناها لتنظيم الأسرة، أبقينا على اسمه “عقد نكاح”، والمعاملات المالية بحثنا عن تسميات لها تتطابق مع مفاهيم موروثة هي الأخرى.

السلفية في مجتمعاتها ليست منهجا فكريا ثقافيا وضعه ابن تيمية، والذهبي، وابن قيم الجوزية، والمزي، ومحمد عبدالوهاب، كما قد يظن أكثرنا، بل أسلوب حياة، حافظنا عليه مدفونا في أعماقنا، يطفو إلى السطح، من حين لآخر، مهما حاولنا إخفاءه بالاستعارات، والمساحيق، وأدوات التجميل.

السلفية، هي حرماننا من حق التجربة، وارتكاب الخطأ، وعشق القباحة، ورفض الكمال المطلق، فما نحن إلا كائنات حية، ينطبق علينا ما ينطبق على الفراشة والدودة والحلزون.

16