في علاقات الفن والأدب والثورة.. يكون الفن نقديا أو لا يكون

الأحد 2013/12/08
تخطيط: ساي سرحان

تتمظهر الثورة بأشكال لا حصر لها؛ فهي عملية تاريخية متكاملة، وفيها يظهر الثمين والغث، الرئيسي والهامشي، الجيد والسيء، الشرير والخيّر، وهذا يسري على كافة الظواهر الاجتماعية؛ وعلى الفن والأدب، بكل تنويعاتهما، فالفن إمّا أن يكون جيداً فيكون مع الثورة، مع خط التقدم، مع الانتقال نحو عالمٍ جديدٍ، نحو حرية وحياة أفضل، وإما أن يكون رديئاً، يمجد السلطان ويعتاش من بقايا موائده؛ الفن المناصر للثورات، يمكن أن يكون رديئاً، حين لا ينحاز إلى الجمال والجديد والجيد، حين تكون مفرداته تصلح للنظام السائد وللنظام القادم؛ وحين يأتي مصطنعاً، مُمجّداً للثورة بلا حس نقدي، أو دهشة تدفعنا للتوقف والتفكير.

الفن حين ينحاز للثورة، لا يعبّر كما تعبّر مستويات أخرى للمجتمع؛ ولا ينقل اليومي والسياسي المباشر إلى مفرداته؛ بل ينتج الواقع الثوري بمفرداته هو هو، وإن استخدمه اليومي، فيكون في إطارٍ يخدم رسالة الفن التغييرية. فليس أيّ كلام أو موسيقا أو لوحة أو نص ما، أو رقصة، أو عمل مسرحي، أو فلم ما، أو أو، فن جيد، ولو عبّر عن الثورة ومجّد الشعب وقاله فنانون مشهورون.

الفن ينحاز في تعبيره نحو الرئيسي في الواقع، ويصوّر الثانوي كدلالة على الرئيسي، ويقدّم لنا عالماً من الجماليات والمعرفة، ويدفعنا لتبني الأفكار والمواقف الايجابية، والانحياز لقضايا الإنسان والجمال والفرح؛ الفن الثوري هو هو الفن الجيّد، وحين يكون كذلك، ينحاز لحرية الإنسان، للفقراء، للمعتقلين، للمحاصرين، للمغيبين، للنساء، لكل من وقع عليه ظلم وجور. إنّه الباحث أبداً، عن الجمال المخفي، أينما كان وفي أي فكرة، أو شيء مادي. الفن ينحط إن لم يكن لصالح النوعي، الجمال، الفرح، الحرية والمساواة وعدالة الإنسان؛ ولا قيمة لفنان، ولنقل تتراجع قيمة الفنان كلما ذهب نحو البسيط في الفهم؛ أو اكتفى بظواهر تميل نحو الذاتية والانفعال ومسايرة اللحظة وتمجيد الأنانية، وعَشِقَ المال؛ الفن وهو المعبر عن الذات بعمق، وقد يكون نتاج جماعة من المبدعين؛ فإنّ وظيفته تكمن في التعبير عن الموضوعي والعام والجوهري، وفي هذا تلتقي ثنائية الذات، والجماعة المبدعة بالفن.

أن ينحاز الفن للثورة، أن لا يتصنع اللحن والكلمة والتعقيد واللافتة واللوحة وسواها، فهو بذلك، لا يتجاوز ذات الفنان، بينما ماهية الفن، أن يتجاوز ذلك، ليعبر عن كافة تجليات الثورة، بإيجابياتها وسلبياتها، بأفقها ومحدوديتها، بنصابيها والمتفانين بها، ولكن كل ذلك بأسلوبه المميز.

الفن إمّا أن يكون نقديّاً فيكون ثوريّاً، أو أن تكون ثوريته محدودة؛ ففي خياره الأول، ينتقد الثورة كما ينتقد النظام، كما ينتقد كل شيء؛ فمهمته ليست رسالة سياسية معينة، ولا خدمة لإيديولوجية محددة مسبقاً؛ وحين يكون كذلك يكون فناً حزبياً، أو سياسياً بامتياز؛ الفن كما قلت إما جيد فيكون لكل ما هو جميل وإيجابي، وإما سيئاً فيكون لفئة أو حزب سياسي ما، ولا ثالث لهما، وفق مبدأ أرسطو في الثالث المرفوع.

في الثورة السورية، ظهرت أشكال متعددة للفن المنحازة للثورة؛ ظهر الأصيل والدخيل، ومات كل لحظي وتافه ومترزق، وبقي كل ما هو أصيل؛ أشعبياً كان أم حداثياً؛ ولكن ومع تكريس الحرب، تراجع الشعب ومعه تراجع الفن؛ وكأنّ الفن الثوري يرتبط بدخول الشعب للثورة؛ الآن يكاد لا يلحظ دور الفن؛ وحين يخرج الشعب بمظاهرة أو بنشاط ما، نجد الفن لصيقاً به، معبراً عنه، من حناجر المغنين، إلى رسوم الكاريكاتير، إلى أغاني الحب والفرح والدبكة والرقص. لا نقصد بكلامنا، بأن الفن الجيد يتزامن وجوده مع وجود الثورات أبداً، بل هو يكون كذلك حين يعبّر عن قضايا الواقع والتقدم والإنسان بفهم عميق للواقع، فهمٍ يحصله الفنان بطريقته المميزة، وهي عالمه السري الخاص.

الفن يتلمس الجديد في كافة ظواهر الحياة، وبمنتوجاته المتنوعة المتعددة يكون دافعاً نحو واقع جديد

الفن لا يعرف الطائفية ولا التعصب وليس من خصائصه أن يكون مع الحاكم والعبودية، والأنظمة الحاكمة، أو المبتذل والسطحي، وتكريس كل ما ليس تقدمياً؛ وحينما يعبر عن ذلك، يكون فناً هابطاً لا قيمة له ويزول في اليوم التالي؛ بل إن قصيدة رائعة أو أغنية أو لوحة أو منحوتة عظيمة تُمجد سلطاناً جائراً، سرعان ما تفقد قيمتها، وتصبح عاراً على الفنان لا مجداً يسجل له.

كما الفن الجيد، لا يظهر دون الحرية المطلقة للمبدع، كذلك لا يمكن أن ينحاز للاستبداد أبداً، أو لأيّة ممارسات تنبَأ عن استبداد قادم، إنّه يحطم مرتكزات الاستبداد، أيقوناته، ورموزه الطغاة. الفن لا يعرف الأيديولوجية، وكل أيديولوجية وسلطة، حاولت احتوائه، صيرته فناً للسلطان، بل صار مسخاً باسم فن، هو وصاحبه؛ الفن منتج نوعي، له آلياته وقواعده الخاصة، والحريّة المطلقة للفنان هي أصل الفن الجيد.

الفن يتلمس الجديد في كافة ظواهر الحياة، وبمنتوجاته المتنوعة المتعددة يكون دافعاً نحو واقع جديد؛ إبداعاته تحض العقل والإرادة والخيال إلى الجديد المغاير. يفعل ذلك وهو يخضع لشروط السوق، حيث الفن يباع وكأنّه أيّة سلعة. الفن الجيد لا يفقد جيديته وهو يُعرَّض لآليات السوق وجشع الأغنياء؛ ولذلك يسقط إن لم يكن ثوريّاً، حتى وهو في صالات عرض الأثرياء.

لا ضفاف للفن والأدب، كما حاول مرة غارودي صياغة الواقعية فكتب عن واقعية بلا ضفاف. السياسي الذي لا يفهم قاعدة الحرية المطلقة للإبداع في الأدب والفن، وأنّه لا يخضع لشروط الإيديولوجية والسياسة، ينتج له الفنانون والأدباء، فناً رديئاً يشبه تماماً رداءة ذلك السياسي، ولذلك سقطت أو تسقط كل الفنون التمجيدية التبجيلية. وبالتالي على السياسي، والثوري، ومن يرغب بالتسلط على الفن، أن يفهم أن المنتج الفني الذي ينتج وفقاً للطلب هو منتج رديء ولا قيمة جمالية أو معرفية أو سياسية يحملها؛ بل إنّه هو بحدّ ذاته تعبير عن بشاعة الحياة تحت ظل الشمولية، وربما يشكل وهو متهافتٌ دافعاً لتغيير الواقع!..

الفن ليس مهنة، رغم أن مُنتجيه لا يفعلون سوى ذلك ويلازم إنتاجهم حياتَهم؛ الفن تعبير عن الروح، عن الحياة، عن السياسة، عن كل قضايا الإنسان، ولكن ومجدداً يعبر بلغة الفن. لم تنتج الثورة السورية فنّها حتى اللحظة ربما باستثناء إبداعات بسيطة، ومحاولات شعبية مميزة في إعادة إنتاج التراث القديم بأسلوب جديد ومميز، وبما يخدم الثورة والحرية؛ واستل الجديد معظم مفرداته من عالم الحرية التي خطتها الثورة، وهو ما أنتجه شباب سوريون في كل مدن وبلدات سورية، فهل لأحد أن ينسى القاشوش والساروت وسواهما. ولكن الحرب منعت تطوره، وأخرت تقدمه، ولكن ما حدث ويحدث بسورية، هو مادة خام، لا يمكن للفن إلا أن يعبر يستكمل ما بدأه، ويعبر كذلك عنه بأصالة وبعمق شديدين في زمن قادم، سواء ما كان شعبياً منه أو حداثياً كذلك.

11