يناير 19, 2018

في علم التخلّف

مرت معي قبل أيام سيرة شخص درس الرياضيات والتاريخ وعلم النفس والفيزياء والموسيقى والفلسفة وعلوم التربية. ليقول في النهاية إن “الجهل الحقيقي ليس في غياب المعرفة، بل في رفض اكتسابها”. إنه النمساوي البريطاني كارل بوبر أحد أهم فلاسفة العلم في عصرنا هذا.

أما نحن فلنعترف أننا لم نعط “علم التخلف” حقه من البحث والدراسة، رغم أنه اكتشاف عربي بالمناسبة. وشخصيا، أعتبر أن المفكر اللبناني مصطفى حجازي هو مبتكر علم التخلف على مستوى العالم. إذ لم يفكر أحد قبله بأن هذه الحالة تستحق أن تكون علما. وأيّ مكان يمكن أن ينبت علم كامل عن التخلف وظواهره فيه أفضل من البيئة العربية؟

العلماء يقولون إن العقل العربي الحديث عقل يفرز وعيا سلبيا، يعرف ما لا يريد، ويعجز عن تحقيق ما يريد. ولذلك فإننا، كما يقولون، نبني مئات الجامعات فيزداد اعتمادنا على مراكز الأبحاث الأميركية والأوروبية. ونشتري أسلحة تتجاوز تكلفتها ميزانية حلف الناتو، فتكون النتيجة انهيار الأمن القومي العربي.

كل ذلك يحدث بفضل ميزتنا الفريدة التي نتفوق بها على بقية الأمم، التمسك بالتخلف. ومحاربتنا الشرسة لكل تجديد.

وقد قرأت عن العالم السيكولوجي للإنسان المتخلف، كي أطّلع على ما يدور في تلك الدهاليز المعتمة، فوجدت أن للشخصية المتخلفة سمات مميزة. كـ“تلاشي الإنسانية” و“انعدام الإحساس بالحق بالتطور كسائر الكائنات”. وهذا ينعكس في فقدان الشخصية المتخلفة لأيّ حاجة من الحاجات التي يتمتع بها غير المتخلفين.

صفة أخرى هي “الدونية”. وهي حالة من الإعاقة تتمثل في وضعية “المغلوب على أمره”. وهذه شخصية بلا معطيات، لأنها لا تفهم بالمعطيات أصلا، لذلك تلجأ إلى الغيبيات والتنجيم والميتافيزيك لمعالجة راهنها ومستقبلها. صفة جلية إضافية للشخصية المتخلفة يجسدها التمتع بـ“عقدة العار”، وهذه تعني أن المتخلف كائن يعيش مع إحساسه بالتأخر الاجتماعي والعالمي، متأقلما متوائما مع وصمة العار التي يعبّر عنها تمسكه بتخلفه ورفضه للتطور.

والخلاصة أن العالم المتخلف تحدث فيه أمور غير التي يتوقعها العقل. ففيه ينشأ كائنان: متسلط متخلف ومقهور متخلف. يأخذ المتسلّط بالكذب على المقهور، بأنه يقدّم له التنمية والحداثة، بينما يكذب المقهور على المتسلّط بأنه يكنّ له مشاعر الولاء والتبعية. فيصبح الكذب مناخا عاما يصبغ عالم المتخلفين. ولعبة يلعبها كل طرف على الآخر كي تمشي أموره.

وهكذا، حسب فهمي، ينشأ عالم غير حقيقي في الفضاء المتخلف. عالم من الدونية والكذب. يفسر لماذا نحن لا نتقدّم.

24