في عمان ثورة قصصية والرواية تكتسح المشهد الأدبي

يواصل الكاتب والقاص العماني محمود الرحبي محاولاته الجاهدة، كي تكون قصصه حية وحارة، دون أن يتدخل كثيرا في مصائر الشخوص، ولأن القصة القصيرة جدا تشبه الطلقة المختصرة لديه، فلا يتخلف عن التصريح بأن عددا قليلا من الكتاب هم الذين يتقنون سبكها في مشهد سردي مكثف ومتكامل. "العرب" التقت القاص فكان لنا معه هذا الحوار، وقد حدثنا من خلاله عن تحولات المشهد السردي العماني والعربي، وعن مغامرة إصداره الأول، وحول علاقاته بقرائه.
الجمعة 2015/11/27
تكتنز عمان إرثا حكائيا ثريا، الظاهر منه أقل بكثير من المخزن في الأفواه والذاكرة

منذ إصداره الأول "اللون البني" أخذ القاص العماني محمود الرحبي منحى مختلفا في الكتابة القصصية، يتحدث الكاتب عن إصداره الأول معتبرا أن اللون البني هو لون الحياة القديمة، ومشتقات هذا اللون كانت تسيطر على الذاكرة وبيوت الطين والسعف الحالم. وقد كتبت أغلب قصص المجموعة في الرباط، حين كان الرحبي يدرس الأدب العربي في جامعة السلطان محمد الخامس، ولكنه قام بطباعتها في دمشق، وقد لاقت حينها صدى جيّدا.

القصة من الداخل

تتناول نصوص محمود الرحبي في ثيماتها عوالم الذات الفردية وهي تجترح هموم الناس، وعاهات الزمن، يعلق الرحبي على ذلك قائلا: يعيش الناس ويتحركون بحرية في أجواء قصصي، وذلك لأني أحاول جاهدا أن تكون قصصي حية وحارة. وألا أتدخل كثيرا في مصائر الشخوص، فالحدث هو من يقوم بتحديد هذه المصائر، وكثيرا ما أحتفظ برؤيتي الخاصة للحياة والعالم ولا أكره شخوصي عليها.

كما أن التراث الحكائي خير معين ومساند لي، وهو ما أسعى إلى أن أشتق منه نسغا حيويا. كما أن مفارقات الحياة تجد مجراها كاملا في ما أكتبه، وهو ما ينعكس بصورة غير مباشرة على أجواء قصصي.

ويعتبر القاص أن القصة ليست سجلا للأحداث الاجتماعية، بل الأدب والجمال هما ديدنها، أما القصص التي تنحو منحى توثيقيا للأحداث فلن يكتب لها الخلود. وهذا لا يمنع طبعا من أن يستفيد الكاتب من أحداث مجتمعه، فيترصد ويدين انحراف القيم فيه، ولكن يجب، حسب رأي ضيفنا، ألا تكون هذه الاستفادة مباشرة توثيقية أو تسجيلية أو حتى استغلالية، وإنما يجب أن تذوب في بوتقة الجمال الأدبي، ونجد في الأدب الخالد خير مثال على ذلك.

تمثل القصة القصيرة جدا اليوم تجربة جديدة منفلتة وذات بعد تجريبي، ويلفت محمود الرحبي إلى أن القصة القصيرة جدا تشبه الطلقة المختصرة، حيث تكون مضغوطة ومكتنزة، ولكن مفعولها غير هين، وهي تحتاج عنده إلى قدرات غير عادية وحشد ذهني كبير، وقليلون هم الكتاب الذين يتقنونها. فالتحدّي الحقيقي بالنسبة إلى القاص يتعلق بالإجابة على السؤال التالي: كيف يمكنك اختصار عالم كامل في صفحة واحدة؟

يعتبر الرحبي أن رصيدنا القصصي العربي يزخر بتجارب مهمة، خاصة في ما يكتب اليوم من قصص قصيرة جدا، لكن تبقى المعضلة في الترجمة الفاعلة التي يمكنها أن تنقل أهم الآداب العربية الحديثة إلى العالم.

القصة القصيرة جدا تشبه الطلقة المختصرة، تكون مضغوطة ومكتنزة ولكن مفعولها غير هين، وهي تحتاج إلى حشد ذهني كبير

القارئ والكتابة

عن حضور القارئ في عملية الكتابة يقول القاص محمود الرحبي: حين أكتب فإني أكون مشغولا بتقديم مادتي الحكائية على أكمل وجه، ولا أفكر كثيرا في القارئ المباشر، فلعله يأتيني بعد وقت طويل؛ ربما يطول أو يقصر. وتركيزي لا يكون إلّا على تجويد ما أكتبه، وليس على القارئ، فأول قارئ لي هو أنا نفسي.

وعن رؤيته للمشهد السردي العماني والعربي الجديد، يشير القاص إلى أن المشهد السردي العماني يعيش هذه الفترة في ريعان عنفوانه، حيث تتوالى الإصدارات عاما بعد عام. ففي عمان إرث حكائي كبير، الظاهر منه أقل بكثير من المخزن في الأفواه والذاكرة.

ويؤكد الرحبي أنه حين يغيّب الموت شيخا مسنا فكأنما مكتبة من الحكايات تندثر بغيابه، لذلك فإن بعض القاصين يحاولون أن يقتربوا من هذه الذاكرة للإستفادة منها. ثم إن تشجيع الأدب، في رأيه، ضروري جدا وخصوصا في المجتمعات الاستهلاكية كمجتمعاتنا، وذلك حتى لا تصاب الحياة فيها بالجفاف. كما أن الأدب مرآة ضميرية غير مباشرة، ومن خلاله يمكن أن نستكنه أحلام المجتمع وآلامه كذلك، وثراء قيم التاريخ ومقاييس الجمال فيه.

القاص ناقدا

ويواصل محمود الرحبي حديثه عن التجربة القصصية العمانية الجديدة، وعمّا إن كانت امتدادا للتجربتين القصصيتين العربية والعالمية، أم هي منفصلة عنهما، يقول القاص: الأدب عبر تاريخه النوعي لا يؤمن بالمراكز، وهذا عزاء مهم لمن ظلمتهم الجغرافيا.

فكثيرا ما أقرأ أدبا عظيما يأتيني من الأورغواي، أو من القرن الإفريقي، أو حتى من قلب الصحاري. وذلك لأن الأدب الحقيقي عابر لهذه الحدود المنظورة ورهاناته تاريخية بالأساس وبعيدة الأمد.
الرواية ستظل هاجسا كبيرا للكتاب

لقد برز منذ التسعينات في عمان والعالم العربي ما يشبه الثورة القصصية وقد مست الشكل والمضمون. ويؤكد ضيفنا على أن الثورة القصصية مستمرة في عمان.

يقول: في كل عام نفاجأ بمجموعة جديدة مثيرة وجاذبة، الأمر لن يتوقف؛ فطالما ثمة حياة وثمة أناس وثمة أحلام، ثمة أدب.

ومن ملامح هذه الثورة بروز أصوات قصصية نسائية عمانية متميّزة، حيث يؤكد الرحبي أن هناك زخما نسائيا رائعا في الكتابة القصصية والروائية في عمان، ويذكر على سبيل المثال تجارب أديبات تميزن بكتاباتهن من أمثال هدى حمد وجوخة الحارثي وبشرى خلفان وأخريات.

يقول القاص عن الكتابة النسائية في عمان: المرأة حين تكتب، كثيرا ما تبدأ بصناديقها المغلقة، عالمها الصغير الخاص، والذي تنطلق منه لوصف العالم الخارجي. نستطيع أن نفرق بدقة بين ما تكتبه المرأة وما يكتبه غيرها.

قد يلاقي استنتاجي هذا شيئا من الرفض وقد أتهم بالعنصرية، ولكني حين أقرأ لقلم نسائي أكتشف ذلك بعد صفحات معدودات، وأدرك أن ما هو مكتوب لا يمكن أن تكتبه سوى امرأة، ونحن في حاجة إلى هذا العالم النسائي الخاص حتى يكتمل المشهد الجمالي.
طبعا هذا لا يعني عدم وجود استثناءات، ولكن في الأعمّ والأغلب فإن الكتابة النسائية تبدأ مغلقة ثم تنفتح على العالم وليس العكس. وأستطيع أن أتمثل بالعشرات من الأعمال الأدبية، القديم منها والحديث.
عن مكانة القصة القصيرة التي تراجعت، شأنها شأن الشعر، مقارنة باكتساح الرواية للمشهد الأدبي العربي والعالمي، يعلق ضيفنا قائلا: الرواية ستظل هاجسا كبيرا للكتّاب، حتى أن الكثيرين يأتونها من مناطق غير روائية كالشعراء والباحثين والنقاد.
ولكن رغم هذا الزخم باتجاه الرواية فإن القصة القصيرة تجد مكانها ولكن ببطء شديد، وهذا من طبيعة القصة القصيرة التي لا يمكنها أن تعيش وسط الزحام. فالكثير من القصص الخالدة تكون متفردة، وتظلّ أكثر بقاء وخلودا. فالبعض من قصص تشيخوف وجوجول وكافكا وغيرهم، على سبيل المثال، استمرّ مفعول إبداعهم الجمالي إلى الآن، مع قابليتها الكبيرة للتجدد والخلود زمنا بعد آخر.
15