في عيد استقلال تونس: محاكمة التاريخ بوعي الحاضر

الجمعة 2014/03/21

احتفل شعب تونس هذا الأسبوع بالذكرى الـ 58 لاستقلالها. احتفال يحصل في ظرف سياسي مخصوص، مترتب على وضع ما بعد الثورة، تتراوح فعالياته بين احتفالات رسمية بروتوكولية، وأخرى حزبية عبر الاستعراض في الشوارع، لكن الذكرى أيقظت عند التونسيين ذكريات مسار سياسي مرت به البلاد. بل إن الاحتفال أتاح للبعض جرأة طرح السؤال عن حصول الاستقلال ذاته.

في تذكّر المسار السياسي المعاصر لتونس تندلع خصومة، وتبرز الاصطفافات السياسية الراهنة لمحاكمة التاريخ عند البعض، أو للتباهي به عند آخرين. يذهب الجميع رأسا إلى إرث الزعيم الحبيب بورقيبة، ويجاهد قسم واسع من الشعب ونخبته في انتقاء حقيقة التاريخ من تاريخ رسمي قدّ على مقاس رئيس أول ورئيس ثان.

ويعترف الجميع (أو الأغلب على الأقل) بفضل الحبيب بورقيبة في تحقيق الاستقلال وبناء الدولة الوطنية، ولذلك يبدو عيد الاستقلال التونسي مناسبة دورية منتظمة لمحاكمة زمن بورقيبة أو الإشادة به (لا تنسيب في هذا الباب وقلة من يعترفون أن الرجل لم يكن ملاكا ولا شيطانا).

لتاريخ الاستقلال وموعده رؤى متقاطعة وتواريخ فرعية، يراه اليوسفيون (أنصار صالح بن يوسف الذي اغتيل عام 1961) غير مكتمل أو منقوص، ويراه البورقيبيون منجزا بورقيبيا خالصا ابتداء من لحظة 2 مارس 1934 حين أطلق بورقيبة حزبه الدستوري الجديد متجاوزا (أو منقلبا في روايات أخرى) للحزب الدستوري القديم للشيخ الثعالبي، لكن بورقيبة انطلاقا من تلك اللحظة “استولى” على اسم الحزب (مع إضافة وصف الجديد إمعانا في إدانة الثعالبي وجيله وأدائه) وعلى رصيده النضالي وقاد به “زمام” البلاد والمرحلة.

ارتباط الاستقلال ببورقيبة وتماهي الحدث مع الشخص، كان مفهوما ومشروعا بالنظر لما أنجزه “المجاهد الأكبر” (كما كان يحلو له أن يلقّبَ) والتنسيب يقتضي الإقرار أولا أن لبورقيبة سيرة طويلة من المنجزات، حيث يحسب له مشروعه التحديثي القائم على المراهنة على التعليم، وعلى سعيه إلى تثوير البنى الاجتماعية للبلاد (جاهد لتقليص منسوب حضور القبيلة كشكل تنظم اجتماعي أساسي)، والقائم كذلك على تعصيره للقضاء وإقراره لمجلة الأحوال الشخصية وإلغائه للأحباس والأوقاف وغيرها من الشواهد الدالة على رؤيته لتونس أكثر حداثة.

لكن التنسيب يتطلب أيضا الإشارة إلى انزياحه السريع من زعيم وطني إلى “مستبد” وطني، وللرجل سيرة طويلة أيضا من سعيه إلى مركزة كل السلط والمؤسسات حول شخصه. لذلك أبعد وأقصى كل خصومه ومعارضيه (القائمة تبدأ من مرحلة ما قبل توليه رئاسة البلاد) ثم تحوّل إلى إقصاء رجاله (إلى درجة جعلت العالم النفساني التونسي سليّم عمار يصفه بآكل الرجل رمزيا).

بورقيبة رمز الاستقلال جعل من توليه رئاسة البلاد ضربا من «الحق الإلهي المقدس» وأنتج تبعا لذلك جملة من المقولات المرادفة لتلك الفكرة؛ أنتج مفهوم المجاهد الأكبر والفكر البورقيبي والأمة التونسية واستخرج من مسيرته السياسية أعيادا وطنية؛ جعل ذكرى عودته إلى تونس من المنفى عيدا للنصر (1 جوان 1955) وتكفل أعوانه بجعل عيد ميلاده عيدا يماهي أو يفوق الأعياد الوطنية.

في الاحتفال بعيد الاستقلال يذكر شعب تونس مرحلة مترتبة عن زمن بورقيبة بوجهه وقفاه؛ مرحلة أنتجت “المرحلة النوفمبرية” (كما كانت تسميها المعارضة التونسية قبل الثورة) أو مرحلة زين العابدين بن علي.

هذا الأخير جاء البلاد “منقذا” لها من زمن بورقيبة، ومنذ البدء جاء مدججا بمقولات جديدة كانت تخفي أولا إدانة مضمرة لزمن بروقيبة، ففي “العهد الجديد” إقرار بتجاوز العهد القديم، وفي تغيير اسم الحزب الذي ورثه بن علي عن بورقيبة الذي سحبه بدوره عن الثعالبي (من الحزب الاشتراكي الدستوري إلى التجمع الدستوري الديمقراطي) تبرؤ من عتاقة الحزب واشتراكيته وبحث عن «التجميع» والديمقراطية (كما رُوّجَ آنذاك).

الملفت أن المرحلة كانت تناور بتوظيف التاريخ فحين تحتاج مشروعية أو مرجعية كانت تتباهى بأنها امتداد للحزب الدستوري البورقيبي، وحين لا يقتضي الأمر ذلك تعود قريرة إلى تبرؤها السياسي. وفي مؤتمرات التجمع المتعاقبة إقرار ضمني بأن الزمن السابق كان عليلا أداء وعقلية وسياسة (مؤتمرات اتخذت لها من الشعارات “الإنقاذ” “والتحدي” و”الطموح”).

تغمر الاحتفال الراهن بعيد الاستقلال إدانة للمرحلتين، وتجاسر على طرح سؤال تحقق الاستقلال ذاته، حيث أشار البعض (رضا بلحاج الناطق باسم التحرير الإسلامي) إلى أن الاستقلال لم يحصل ولا وجود لوثيقة الاستقلال وأن الأمر عبارة عن صفقة بين بورقيبة وفرنسا، في حين يتخذ شقّ آخر موقعا آخر يقوم على الاحتفاء بالاستقلال واتخاذه فرصة لاستحضار بورقيبة وزمنه ومنجزه وفي الأمر نكاية في الخصوم أو احتكار للدولة الوطنية.

بين إدانة بورقيبة وشيطنته، أو تأليهه وتمجيده، يعود حدث الاستقلال إلى واجهة السجال مفرزا نقاشات مجاورة لا تعود إلى الاختلاف في تقييم الحدث، بل هي انعكاس لما يسود البلاد من حراك، لكن الثابت أن الجميع يحاكم مرحلة ماضية بوعي الحاضر.

وفي التجنّي على التاريخ غاب البحث عن دواعي قصور عطّل نسق تطور البلاد، وغابت القراءات الباحثة عن حلول جذرية لمشاكل هيكلية، ليظلّ استقلال تونس وغيره من الأحداث رهين قراءتين؛ إما قراءة مرتابة تآمرية تشكّك في التاريخ وتخومه، وإما قراءة ماكرة ومداهنة تأخذ من التاريخ ما يناسبها ويعزز دواعي بقائها.

كاتب صحفي تونسي

9