في عيد الحب

الأربعاء 2015/02/18

ألا يستحقّ الاحتفال والاحتفاء؟.. ذلك المارد الذي يقطنُ أرواحَ كل البشر ويمكن استحضارهُ في أي لحظة؟.. أفلا يستحقّ منا أعيادا ومهرجانات وكرنفالات تقديس وتبجيل؟.. تضحك مني صديقتي وهي تشاكسني بسخرية “يالكِ من عاشقة!.. أمازلتِ رومانسية حتى الآن؟”.. تقولها وكأنها ترجمني بباقة ورد!

فأضحك وأقول “بلى.. مازلت كذلك جدا يا صديقتي الغالية”.. أقولها ملء فمي.. ملء مسامي.. ملء احتراقي وانطفائي وبكائي وسهري وابتسامتي ودهشتي وانتشائي.. أعترف بها ملء شغفي الذي داهمني يوم ولدت.. ولازمني مثل نبضٍ تفارقني الحياة إذا ما فارقني.. وما فتئت علاماته تفضح ملامحي وتربك خطواتي.. أو تجعلها تدكّ الأرض خيلاء ومرحا أنى حللت ومهما بلغت طفولتي من عمرٍ أو خبرة أو تجربة..

وبحسب نزار شاعر العاشقين “الحب في الأرض بعض من تخيّلنا…. لو لم نجده عليها لاخترعناه”.. ها أنني اخترع الحب في كل يوم.. واُعيد اكتشاف الحبيب في كل لحظة.. اُلبِس معشوقي ثوب العشق فضفاضا.. اُغدق عليه من الوهم ما يجعله يسمو إلى مرتبة الآلهة.. أحيا على طيف منه.. على نبرة أو خبرٍ أو رنـّة أو رسالة أو أغنية أو ذكرى.. نعم مازلت كذلك يا صديقتي.. وإن شئت أن توغلي في الضحكِ.. فإليك هذا الخبر الأدهى: لا يهمّ الحبيب!.. لأن فكرة الحب هي الأهم.. والحب هو الأولى!..

الحب.. تلك العصا السحرية التي تحيل خيوطَ الفجرِ إلى فضة.. وتحيل الألم إلى عافية.. وقطرات المطر إلى قبلات.. هي ما تجعل أعتى المشكلات تبدو تافهة عادية وبرسم الحل.. هي ما تجعلنا نرى الآخرين حولنا رائعين مهذبين محبين!.. تجعلنا نحسّ أننا نحيا.. وأننا لن نكون برسم الموت طالما أن أنفاس الحبيب تعطر الهواء من حولنا.. في زمن صار الموت فيه سمة وخبزا يوميا.. حتى في شقاء الحب حلاوة وفي سهاده ونواحه ومعاناته.. حضوره بهجة وغيابه مرار ووجع.. هو معنى أن نبتسم من صميم القلب وأن نبكي من أقاصي الروح فتغتسل أهدابنا بصفائها..

نعم يا صديقتي أنا العاشقة في كل أوان.. وأنا التي لم أشعر يوما بأن العشق حلم جميل.. فهو عندي واقع أوقع من أعتى الأحلام.. قد يجعل الحواس كلها تنتفض قوة واحتمالا.. وقد يعلو فيصبح وجدا وتوحدا يحيل الواحد كلاّ والكلّ واحدا.. ويجعل الفرد نصفا لا يستقيم اكتمالا إلا بنصفه المفقود..

ومثلما للحبّ درجات.. فللشوق أيضا درجات وللنسيان درجات.. للبدايات طعم وللمتن طعم وللعِتـْق طعم وللنهايات طعم آخر.. لهوى الروح لون ولهوى الجسد لون آخر.. ولكليهما معا أبعاد وأبعاد..

قد تشتعلُ في رأس امرأة واحدة ألف أنثى تسفح مشاعرها قربانا لحبيب يغدو في لحظة كل الرجال.. أو يشتعل في رأس رجل واحد ألف توق وجنون لامرأة تتلبس في لحظة كل النساء..

هو أعلى درجات الترف الإنساني.. له تلك القدرة المستحيلة على العيش في أحلك الظروف.. وبه نستطيع أن نقاوم القبح والانكسار والموات والخيبات.. هو شربة ماء في صحراء حياتنا وكسرة خبز لنفوسنا الجائعة..

بقي أن أستعير في عيد الحب قول المتنبي “وعذلت أهل العشقِ حتى ذقتهُ…. فعجبت كيف يموت من لا يعشق”.. وهل ثمة أجملُ من الموتِ عشقا؟

كلّ عــيد وأنـتم بعشــق..

21