في عيد العرش المغربي: الشعب والملك يجددان عهد مسيرة التقدم

الخميس 2014/07/31
العاهل المغربي يكرم التلميذة المغربية المتفوقة في فرنسا مريم بورحيل

الرباط - يحتفل المغرب بالذكرى الـ 15 لتربع العاهل المغربي الملك محمد السادس على العرش، وهي مناسبة تعني، عادة بالنسبة إلى المغاربة، تقييم حصيلة عملهم وإصلاحاتهم وتقدّم بلادهم وفق سياسة ترى في التحديات الداخلية والإقليمية حافزا للتقدّم لا عائقا له.

أكّد الملك محمد السادس أن الاحتفال بعيد العرش مناسبة للقيام بـ"وقفة تأمل وتساؤل مع الذات، بكل صراحة وصدق وموضوعية حول ما طبع مسيرة المغرب من إيجابيات وسلبيات، للتوجه نحو المستقبل، بكل ثقة وعزم وتفاؤل".

وأكد الملك محمد السادس في خطابه الذي ألقاه بمناسبة الذكرى 15 لاعتلائه عرش المملكة المغربية أن ما يهمه ليس "الحصيلة والأرقام فقط، وإنما ما يهم قبل كل شيء هو التأثير المباشر والنوعي لما تم تحقيقه من منجزات في تحسين ظروف عيش جميع المواطنين".

و”إجراء هذه الوقفة مع الذات، لا يعني الشك أو التردد، أو عدم وضوح الرؤية، بل على العكس من ذلك، فطريقنا واضح، واختياراتنا مضبوطة. فنحن نعرف أنفسنا، ونعرف ماذا نريد، وإلى أين نسير”. فـ”الوقوف على أحوال الأمة، يتيح الفرصة لتحديد مدى التقدم الذي حققناه، وذلك باستعمال جميع الآليات المعروفة، لقياس هذه التطورات”، مذكرا بالوقفة مع الذات التي تم القيام بها سنة 2005، من خلال تقرير الخمسينية، لتقييم المنجزات، وتحديد الاختلالات، ومعرفة مستوى التطلعات، منذ بداية عهد الاستقلال، بهدف وضع سياسات عمومية أكثر نجاعة، معتبرا أنه من الواجب اليوم، وبعد مرور 15 سنة على توليه العرش، تجديد هذه الوقفة الوطنية.

وتضمّن خطاب الملك محمد السادس عدة محاور تراوحت بين الشأن الداخلي المغربي والشأن الخارجي للدول الإقليمية والعربية والعالمية التي ترتبط بالمغرب بعلاقات وطيدة تقوم على أساس الاحترام المتبادل.

في الشأن المغربي، دعا الملك محمد السادس إلى القيام بدراسة لقياس القيمة الإجمالية للمغرب ما بين 1999 و2013، على أن تقدم هذه الدراسة تشخيصا موضوعيا للأوضاع، وتوصيات عملية للنهوض بها.

الملك محمد السادس:
"ما أحوجنا اليوم، إلى منظومة عربية متكاملة ومندمجة اقتصاديا، وموحدة ومنسجمة سياسيا، تجعل من عالمنا العربي قطبا جيو- سياسيا وازنا في العلاقات الدولية، قادرا على الدفاع عن القضايا العربية المصيرية"

وقال العاهل المغربي: "في الواقع، يجمع الخبراء والمهتمون، الوطنيون والدوليون، على أن المغرب عرف، خلال هذه الفترة، تقدما كبيرا في مختلف المجالات”، مضيفا أنه “لا أحد يمكنه أن ينكر التطور الديمقراطي، الذي يجسده دستور 2011، ومنظومة الحقوق والحريات التي تتوفر عليها بلادنا، والإقدام على ورش الجهوية المتقدمة. غير أن الأثر الملموس لهذه الإصلاحات وغيرها، يبقى رهينا بحسن تنزيلها، وبالنخب المؤهلة لتفعيلها".

"كما لا يمكن لأي أحد أن يتجاهل البنيات التحتية الكبرى، التي تم إنجازها، متسائلا، على سبيل المثال، “هل كان بإمكان المغاربة، وأنا في مقدمتهم، أن يتخيلوا بأن بلادهم تتوفر على أكبر ميناء بحوض المتوسط، وعلى أكبر محطة للطاقة الشمسية في العالم؟ وهل كان بإمكان أي مواطن أن يتنقل عبر الطريق السيارة، من وجدة إلى أكادير، ومن بني ملال أو الجديدة إلى طنجة ؟".

واستطرد العاهل المغربي مؤكدا أن هذا التقدم، "لم يكن على حساب النهوض بالتنمية البشرية، التي يشهدها المستفيدون من برامجها، في كل مناطق المملكة، بأثرها المباشر في تحسين ظروف حياتهم، وبدورها في محاربة مظاهر الفقر والإقصاء".

وذكر الملك محمد السادس بأنه سبق للبنك الدولي أن أنجز في 2005 و2010 دراستين لقياس الثروة الشاملة لحوالي 120 دولة، من بينها المغرب "الذي جاء في المراتب الأولى على الصعيد الأفريقي".

في هذا السياق يتساءل، العاهل المغربي، بعد الاطلاع على الأرقام والإحصائيات، التي تتضمنها هاتان الدراستان، والتي تبرز تطور ثروة المغرب،"باستغراب مع المغاربة: أين هي هذه الثروة ؟ وهل استفاد منها جميع المغاربة، أم أنها همت بعض الفئات فقط؟”.

وخلص إلى أن “الجواب على هذه الأسئلة لا يتطلب تحليلا عميقا: إذا كان المغرب قد عرف تطورا ملموسا، فإن الواقع يؤكد أن هذه الثروة لا يستفيد منها جميع المواطنين. ذلك أنني ألاحظ، خلال جولاتي التفقدية، بعض مظاهر الفقر والهشاشة، وحدة الفوارق الاجتماعية بين المغاربة".
واشنطن تنوه بالشراكة التاريخية القائمة بين المغرب والولايات المتحدة
أكد وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، في بلاغ نشرته الخارجية الأميركية، أن واشنطن تنوه بالطابع "القوي والدائم" للصداقة العريقة، وكذلك بالشراكة "التاريخية" التي تبعث على الاعتزاز القائمة بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأميركية، وذلك بمناسبة احتفال الشعب المغربي بعيد العرش.

في الشأن العربي، والمغاربي بالتحديد، جدّد الملك محمد السادس الدعوة إلى بناء اتحاد مغاربي قوي عماده علاقات ثنائية متينة ومشاريع اقتصادية اندماجية.

ولم يتخلّف العاهل المغربي، في خطابه، عن الوقوف عند مأساة الفلسطينيين، حيث جدد إدانته القوية للعدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة. وذكر بالتوصيات القوية التي أصدرتها لجنة القدس، بمناسبة انعقاد دورتها العشرين، بمدينة مراكش، دعما لمفاوضات السلام، وحفاظا على الهوية الروحية والحضارية للقدس، من الانتهاكات الإسرائيلية اللامشروعة.

أما على المستوى العربي، فقد وصف الملك محمد السادس الوضع الذي تمرّ به عدد من الدول العربية، بالكارثي الذي يبعث على الحسرة والانشغال العميق، موضحا أن الأزمة بكل من سوريا والعراق، ليست إلا تجسيدا لهذا الوضع الخطير، الذي تغذيه السياسات الإقصائية والصراعات المذهبية والطائفية، وهو ما يؤدي إلى مضاعفة حجم المأساة الإنسانية، التي يعانيها هذان الشعبان الشقيقان. وأبرز أن الأمر لا يتعلق بأزمة جهوية فقط، وإنما بمستنقع خصب لقوى التطرف والإرهاب الأكثر عنفا، والأكثر تهديدا لأمن بلداننا، بل للأمن والاستقرار عبر العالم.

وقال في هذا الصدد “ما أحوجنا اليوم، إلى منظمة عربية متكاملة ومندمجة اقتصاديا، وموحدة ومنسجمة سياسيا، تجعل من عالمنا العربي قطبا جيو-سياسيا وازنا في العلاقات الدولية، قادرا على الدفاع عن القضايا العربية المصيرية” مبرزا أنه مما يبعث على الاعتزاز، هو روابط الإخوة والتفاهم، التي تجمع المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي.

تكريسا للجهود التي ميزت العلاقات المغربية الأفريقية، جدد الملك محمد السادس الالتزام بنهج سياسة متناسقة ومتكاملة، تجاه الأفارقة، ترتكز على الاستثمار المشترك للثروات، والنهوض بالتنمية البشرية، وتعزيز التعاون الاقتصادي.

وقال العاهل المغربي في خطابه “إننا نؤمن بأن أفريقيا قادرة على تحقيق نهضتها. غير أن ذلك لن يتحقق إلا بالاعتماد على أبنائها، وعلى قدراتها الذاتية. وهنا أكد ما قاله في أبيدجان:"أفريقيا مطالبة بأن تضع ثقتها في أفريقيا".

وأضاف أن ذلك هو ما تجسده الزيارات التي قام بها لعدد من الدول الأفريقية، وحجم ونوعية الاتفاقيات التي تم توقيعها، والتي تؤسس لنموذج متميز من الشراكة جنوب – جنوب، “التي نريدها تضامنية وفعالة”. وأمام تزايد التهديدات الأمنية، وخاصة بمنطقة الساحل والصحراء، جدد الدعوة إلى ضرورة التصدي الجماعي للتنظيمات الإرهابية التي تجد في عصابات الانفصال والاتجار بالبشر والسلاح والمخدرات، حليفا لها، لتداخل مصالحها، والتي تشكل أكبر تهديد للأمن الإقليمي والدولي.

اعتماد دستور جديد للمغرب يمثل أقوى فترات التاريخ المعاصر للمملكة

وأشار الملك محمد السادس إلى أن التوجه الطبيعي للمملكة نحو أفريقيا، لن يكون على حساب علاقات الشراكة، التي تربط المغرب بشركائه الدوليين، بل إنه يفتح آفاقا أوسع للشراكة بين دول الشمال وبلدان الجنوب. والوضع المتقدم، الذي يجمع بين المغرب والاتحاد الأوروبي، يشكل مرحلة هامة في طريق توطيد شراكة مغربية أوروبية متوازنة.

وتعزيزا لسياسة الانفتاح وتنويع الشراكات، شدد الملك محمد السادس على حرصه على توطيد العلاقات العريقة، التي تجمع المملكة المغربية بكل من روسيا والصين، والتي يتطلع إلى القيام بزيارتهما قريبا.

وفي إطار العلاقات التاريخية التي تربط المغرب بالولايات المتحدة الأميركية، أكد التزام المغرب بتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، ولا سيما من خلال إيجاد آليات جديدة لدعم اتفاق التبادل الحر، ومواصلة الحوار الاستراتيجي.

ختم العاهل المغربي الملك محمد السادس خطابه بالتأكيد على أن المغرب سيواصل العمل في ما يخص ملف قضية الصحراء المغربية، التي تعد “قضية كل المغاربة". وفي هذا الإطار، جدد العاهل المغربي الدعوة إلى مواصلة اليقظة والتعبئة الجماعية، واتخاذ المبادرات اللازمة، لاستباق مناورات الخصوم". كما أكد التزام المغرب بمبادرة تخويل الأقاليم الجنوبية حكما ذاتيا، وهي المبادرة التي أكد مجلس الأمن مرة أخرى، في قراره الأخير، جديتها ومصداقيتها.

7