في غياهب الشهوة

الأحد 2015/06/14
الجسد أيضًا يعطش ويجوع

كُتب على هند أن تولد في إحدى القرى الصحراوية شمال اليمن وقبل أن تدّرسَ أيّ شيء عن الله والحياة والأدب والحب تم تلقينها كلّ العادات والتقاليد والخطوط الحمراء التي يجب ألاّ تتجاوزها. تعدّ هند من جميلات تلك القرية والواحدة من النساءِ هناك تتفوقُ على غيرها ببياضِ وصفاءِ بشرتِها بقدرِ سوادِ شعرها وعينيها، لهند أهدابٌ غزيرة ومنحنية وحاجبان أسودان يمتدان على طول العينين الواسعتين.

كلّما خرجت برفقة والدتها أو شقيقتها وجدت نفسها قِبلة لكل العيون، تسيرُ بجسدٍ شهي لا يمكن لعباءةٍ سوداء أن تخفي ما يحملُه من مفاتن. حاولَ والدها إقناعَها بضرورةِ الزواج في أكثر من مناسبة بتلميحاتهِ التي لا تنتهي غير أنّها رضيت بلقبِ العانس على أن تمنح نفسها لرجلٍ يعافه عقلها أو قلبُها، لم تكن تطلب الرجل الكامل ولكن فقط الرجل المناسب. دخلت هند إلى غرفة الاستحمام كي تُحَضّر حمّامًا ساخنًا وعندما امتلأ الحوض تعرّت من ثيابها ووقفت أمام المرآة، لأوّلِ مرةٍ تواجهُ جسدها بهذهِ الطريقة، لقد تعرّت من التقاليد والخوفِ وعقدةِ العيب، الانعكاسُ منحها شعورًا مختلفًا كالتي تصافحُ جسدها بنظرةٍ محبةٍ ومدهوشةٍ.. مثل امرأةٍ عمياء قدّرَ لها أن ترى في جسدها كل ما كانت تتحسسه وتعجزُ عن رؤيتهِ، استوعبت جودةَ مفاتنها وفهمت لم ابنة خالتها تواقة للزواج وتتحرقُ لأن تجتمعَ بأيّ رجلٍ متوّفر، الآن فقط فهمت معاناة العوانس، عصبيتهن، غيرتهن، مزاجهن العكِر، المسألة تتجاوزُ الغيرةَ من الأخريات لأنهنَ قادرات على تأسيسِ عائلة، للأنثى حاجات جسدية مثل الأكل والشرب تمامًا عليها أن تلبيها، نعم.. فالجسد أيضًا يعطش ويجوع.

داخل الحوض بالغت هند بالاهتمام بجسدِها وشعرت أنّها قصرت في حقِه قبل اليومِ كثيرًا، اعتذرت منهُ بلمساتٍ دافئة مررتها على عنقها وصدرها وساقيها وما بينهما، اعتذرت بالصابونِ والرغوةِ و شفرةِ الحلاقة، هذا الجسد الجميل أصبحَ يحتاجُ رجلاً ليترك عليه بصمته الخالدة. أنهت استحمامها الذي استغرق ساعةً من الزمن وارتدت ثوب الاستحمام الأزرق، لفّت شعرها بمنشفةٍ زرقاء ثم اتجهت إلى المطبخِ بوجنتين متوردتين لتعدّ لنفسها عشاءً مميزًا كان طبق المعكرونة بالصلصة الحارة شهيًا وعصير البرتقال البارد أنعشَ هند بعد حمامٍ ساخنٍ.

فتحت الكمبيوتر الشرفةُ الوحيدةُ التي تطلُ من خلالِها على العالم، وجدت الجوّ الافتراضي مملاً وروتينيًا وبفناء الماسنجر لم يكن أحد من الأصدقاءِ متواجدًا، وضعت يدها على خدّها شاردة وأثناء ذلك سمعت تنبيه وصولِ إيميل جديد، فتحت علبة البريد فوجدت رسالةً من شخصٍ يسمّي نفسه bigX، فتحت الرسالة الإلكترونية فتفاجَأت بمقاطع فيديو إباحية، رجلٌ يجلس على كرسيّ عريضٍ تركبُه صبية شبقة، احتمالُ حذف الرسالة الإلكترونية أو حظر هذا الشخص لم يكن واردًا، هذا الإيميل كأنّه جاء في وقته، لا ضرر إن شاهدت عملية جنسية بدلاً من التصور هكذا خاطبت نفسها، فتحت مقاطع الفيديو بأصابع مرتعشة وقلب تسارعت نبضاته، ما إن تشاهد مقطعًا حتى تغلقه لتفتح آخر في فضول ونهم، في تلك الغضون شاهدت ما يقارب ثلاثة وثلاثين مشهدًا جنسيًا، بركان من الكبتِ انفجر في لحظة واحدة بمحض سهرة أخذت عائلتها إلى عرس قريبهم.

داخل الحوض بالغت هند بالاهتمام بجسدِها وشعرت أنّها قصرت في حقِه قبل اليومِ كثيرًا، اعتذرت منهُ بلمساتٍ دافئة مررتها على عنقها وصدرها

عمرُها ثلاثون سنة لكنّها لم تشاهد يوما ما يسمونه “جنس″ حتى أنّها تخشى لو تلفظ الكلمة بينها وبين نفسها، لم تر في حياتها كيف هو عضو الرجل الذكري، هذا الذي يصفونه مرة بالجزرة ومرة بحبة الخيار! أرادت أن تعرف كيف هو شكله حقًا لكن ما رأته مختلفٌ عن كل ما سمعته، ما كان عليهَا أن تثق بوصف أهل عشيرتها، لم تتوقع أن تكون ممارسةُ الحب مشوقة هكذا ولا عضو الرجلِ بديعًا لذلك الحدّ، شيءٌ لم يخلَق إلاّ ليتصلَ بعضوِ المرأة مثلَ لعبةٍ تتألفُ من قطعتين ولا تعملُ بشكلٍ جيّد إلاّ إن ركّبت ببعضها، ثلاثون سنة من الحرمان واليتم الجسدي، ثلاثون سنة من الجهل الجنسي، لقد تأخر كثيرًا فارس الأحلام هذا والجسد على وشك الذبول، ها هي تقف لأول مرة محاصرة بين الشرف والشهوة وعليها أن تختار سبيلاً تمضي منه.

شعرت هند أنّ جنية صغيرةً تستيقظ داخلها بعد سباتٍ طويل بينما تشاهدُ شابًا أسود بجسدٍ ضخم يضاجع امرأة شقراء بأسلوب فريد كأنّه فن وموهبة! اندماجُ الألوان بين الأبيض والأسود كان كلوحةٍ فنيةٍ اختلطَ فيها كائنان ذابَا في بعضهما البعض حتى أصبحَ فصلهما عن بعضهما يبدو مستحيلاً، تساءَلت؟

ما الذي يعرفه شبابُ قريتِنا عن هذا الفن؟ داهمَها انفعالٌ داخليّ بعد تركيز وانغماس بالمشاهدة. رمت ثوب الاستحمامِ أرضًا وقرّرت مدّ يدِ المساعدة لجسدها في محاولة بائسة وانفصام غريبٍ حيث تُمثل عليه بأنّ من يداعبه هو شخص آخر منفصل عنها وليس هي، استمرّت بذلك إلى أن شعرت بنفسها تغيبُ عن الوعي وتقترب من المراد. بعد ذلك أحسّت أنها تحرّرت من ذلكَ الغليان وصار بإمكانها النّوم أخيرًا. بعد تلك الليلة الخريفية لم تستطع منع نفسِها من المشاهدة كل ليلة بعد أن ينام الجميع. لقد أحبّت إدمانها واعتبرته حقا شرعياً في غياب الرجلِ الذي يستحقها.

اليوم السابع من شهر يناير، يومٌ لا يشبههُ أيّ يوم آخر في حياةِ هند، مساءٌ ذهبَ فيه أفرادُ أسرتها إلى المستشفى من أجل زيارةِ خالها عبّاس، راودها الضجرُ فذهبت إلى غرفتها ونزعت كل ثيابها وحليّها وفردت شعرها الفاحم على كتفيها وفتحت الكمبيوتر وشاهدت فيديو جديدًا بين عاشقين، تمددت على السرير والتهب جسدها مجددًا، من يراها يرى صبية حسناء تتلوى شبقا مثل أفعى جائعة تنتظر فريستها وبعد دقائق سكنت لنفسها وهدأت وفي تلك اللحظة شعرت بيدٍ ساخنة تحطّ على ساقها!

تخطيط: ساي سرحان

ما تملكّها هو الخوف، حاولت أن تمدَ رقبتها لتتبين لكنّها لم تستطع فقد وجدت نفسها عاجزةً عن الحِراك تمامًا، أصبحت تشعرُ بكلتا اليدين الساخنتين تتنقلانِ على جسدها. بقوةٍ خارقةٍ أحسّت أنّ اليدين تفتحان ساقيها وعبثًا حاولت أن تضمّهما فتلك القوة الخارقة تفوّقت عليها، رأت ساقها اليمنى ترتفع منتصبةً بفعلِ فاعل والثانية مثنية على الهواء وكأنّها مثنية على كتفِ أحدهم ولكن لا أحدَ كان موجودًا. شعرت بقضيبٍ يفتح ما هو مغلقٌ، يخترقُها ويغوص فيها أكثر فأكثر، شيءٌ ملتهبٌ ومؤلمٌ كأنّه من جمرٍ، ودّت لو تصرخ وجعًا لكنّها لم تتمكن حتى من الصراخ لأنّ الصوت رفض الانطلاق من الحنجرة !تغيّر لونُ وجهها وأصبح يتصببُ عرقًا مثل امرأةٍ على فراش الولادة، بعد دقائقٍ أخرى، سحبَ المخلوق اللامرئي قضيبه وترك ساقيها تسقطان على السرير ثمّ رحل.

عند عودةِ عائلتِها إلى البيت لم تسمع الضجّة التي أثاروها أثناء دخولهم فتلك التجربة القاسية عزلتها عنِ الجميع. اتجهت والدتها إلى غرفتِها فأصيبت بالهلع لما رأته! هند عارية تمامًا على السرير ترتجف بينما تتصببُ عرقًا، مستلقية بوضعية الجنين في رحم أمّه، رمت عليها أقربَ غطاء على جسدها واقتربت تسألها عمّا حدث لكنّ هند لم تكن لا تسمع ولا تجيب، استمرّت بالأنين والبكاء بنشيج متواصل، أدركت السيدة فاطمة أنّ أحدهم تسللَ إلى البيت وقام باغتصابها، ركضت إلى ابنتها الكبرى سميّة: “مصيبة إن فقدت عذريتها!“.

قدِمت القابلة صباح الخميس التالي، سلّمت عليهم وشربت القهوة ثمّ تقدمت نحو غرفتها وهي تحاول ارتداء القفازين المطاطيين لكن ما إن حاولت فتح ساقيّ هند حتى صرخت صرخةً سمعها كل من في البيت، خرجت وطلبت من السيدةِ فاطمة وابنتها المساعدة، دخلن معًا، اتجهت سمية إلى ذراعيها ومسكتهما بقوة أمّا والدتها فحاولت فتح ساقيها بعنف غير آبهة لصراخ ابنتها! تمكّنت السيدة ليلى من رؤية الغشاء من بين الشفرتين بصعوبة بسبب صراخ هند وبكائها وممانعتها “الغشاء سليم، لم تتعرض للاغتصاب، هذه الفتاة لم تفعلها أبدًا، ليس هناك أي خدوش على الغشاء ربما مشكلتها نفسية.”

- “لك الحمد يا رب.. تنهدت أم هند وحمدت”.

أحضرت سمية بعض الحليب الساخن وقطعًا من الكعك لهند التي لم ترَ الصينيةَ أمامها، تسمّر بصرها صوب زاوية الغرفة، تنظر إلى الفراغ كالمجنونة! قرّرت الجلوس على حافة السرير ومساعدة هند على الأكل، حملت الكأس وعندما لامست شفتيها لم تفتحا لتذوق الحليب، حاولت إجبارها على الشرب ولكن عبثاً فعلت ذلك لأنّها سكبت كل الحليبِ على ثوبها الأبيض.

ظلّت على تلك الحالة أسبوعًا كاملاً، قرّرت السيدة فاطمة أن تخبر زوجها وأولادها الخمسة دون ذكر أنها وجدتها عارية على السرير ليلة الحادثة، ما حدث بعدها أنّ كل من في البيت أصبح قلقاً عليها وتم إحضار طبيب القرية إلى البيت ووجد كذلك أنّ حالتها الجسدية جيّدة، كتبَ لهم تحاليل شاملة يجرونها لهند في مخبر المدينة يقرأها لاحقًا لينهي تقريره الطبي.

ألبسوها عباءة و منديلاً، مشت معهم كالدمية الشاحبة التي لا روح لها، أجروا لها التحاليل وهي ليست معنية بما يدور حولها. وفي المساء حضرَ الطبيب مجدداً وفتح برقية التحاليل أمام والدها وشقيقها الأكبر “هي تعاني من فقر دم… بالإضافة إلى..” زمّ شفتيه قليلاً ثم أعلن” إنها حامل”.

انهارَ والده و جلس كالذي أصابه الشلل في ساقيه، كيف حدث هذا وابنته لا تخرج من البيت إلا برفقته أو رفقة والدتها؟ وقف الأخ الأكبر معلنًا أنّ الواجب الآن هو قتلها! حاولت السيدة فاطمة أن تشرح له بأنّ أحدهم تسلل إلى البيت واغتصبها يوم زاروا الخال عبّاس في المسشفى لكنّه نزل السلالم ركضًا وعندما فتح باب غرفتها وجدها جالسة تنظر إلى اللاشيء، نَزَع الحزام الجلديّ من خصره وانهال عليها بسوطه أخفت وجهها واتخذت وضعية الجنين مستسلمةً، تدخلت والدتها وهددت ابنها بأنها ستقتل نفسها إن هو قتلها، مسحَ العرق من على جبينه وخرج من الغرفة صافقًا الباب وعاد إلى والده الذي لازال غارقاً في الدهشة يستشيره بما ينبغي فعله، ردّ عليه أنّه ليس بمقدروهم أن يفعلوا شيئًا سيتبرأ منها، يسجنها إلى أن تلد ثم يتخلص من الطفل في دار أيتام و ينتهي الأمر.

ألبسوها عباءة و منديلاً، مشت معهم كالدمية الشاحبة التي لا روح لها، أجروا لها التحاليل وهي ليست معنية بما يدور حولها

لم تعارض هند السجن الذي فُرض عليها فهي ما عادت تشعر بوجودها منذ ذلك اليوم المشؤوم، لم تفارقها الكوابيس كلّما نامت تعيش الاغتصاب، تئن ليلاً لا يسمعها أحد، وفي النهار تأكل بشراهة ما يأكله عشرة أشخاص، يومًا بعد يوم صارت بطنها يكبر أكثر فأكثر وبالشهر الرابع أصبح بطنها كالحامل بشهرها التاسع!

كان يمكن للرائي أن يعلم أنّها ستنجب جنينًا ضخمًا ممّا أثار ذعر والدتها التي تتفحصُ بطنها بيدها وتقول “يا الله إلى أي مدى سيكبر بطنها أكثر؟” مرّ شهر آخر لتتم خمسة، جاءها المخاض مبكرًا في الثانية صباحًا، شعرت بكرة بحجم حبّة البطيخ تخرج منها، حاولت أن تصرخ ولكن خانها صوتها مجددًا، ملامحها تغيرت وانقبضت مع انقباضاتِ رحمها، تمنّت الموت ألف مرة أثناء الولادة ولم تشعر أنها تنجب جنينا عاديًا بل جنينًا بحجم رجل ضخم كلّما خرج منها جزء منه كلما اتسع أكثر فأكثر، في الصباح فتحت والدتها الغرفة تحمل صينية الفطور وبمجرد أن رأت ما رأته أوقعت الصينية على الأرض دهشة، رأت هندًا مستلقية بوضعية الجنين على طرف السرير وكل الشرائف والملاءات ملطخة بالدمّ الأحمر القاتم، أدركت أن ابنتها أنجبت ليلة أمس: أين هو يا هند أين الجنين؟

أشارت بيدها إلى تحت السرير، جلست على الأرض ثم انحنت لكي ترى فرأت مخلوقًا لا يشبه الإنسان ولا الحيوان، كتلةٌ ضخمة من اللحم الأحمر تبدو لزجة ليس لها أطراف ولا أذنان! لكن لها عينان حادتان تلمعان بلونٍ رمادي يكاد يبدو أبيض وأنفٍ صغير مُدّبب يشبه أنف القط أمّا الشفاه تشبه شفتا إنسان طبيعي وخاصة شفتا والدته الممتلئتين! في بطنه حبل سريّ طويل ملتف على نفسه كالثعبان، فكرة سحب هذا المخلوق وحمله كانت فكرة سيئة جدّا من يجرؤ على الاقتراب منه؟

خرجت الأم تصرخ كالمجنونة وتنادي كل من في البيت وعندما دخلوا غرفة هند وجدوها نائمةً، رأوا ما تركه النزيف من دمٍ على الفراش الأبيض نظروا إلى تحت السرير فلم يجدوا شيئًا طلبوا من الطبيب الحضور الذي حينَ أتى وفحصها وجدها عذراء وليس على جسدها أيّ آثار للحمل أو الولادة، استعادت هند وعيها بنفسها وتحدثت إليهم أخيرًا:

- كيف حال خالي عبّاس؟ متى سيخرج من المستشفى؟ ولماذا تأخرتم هكذا؟!

كاتبة من الجزائر

15