في فرنسا العِرق يقتل مرتين

العنف العنصري أمام القانون والأخير يغض الطرف.
الأحد 2021/07/18
الوقوف ضد العنصرية يتطلب اعترافا رسميا

في فرنسا هناك صدع بين دعاة الهوية وأنصار الكونية، صدع تسربت منه الكثير من الممارسات العنصرية التي لا تمت للجمهورية بصلة، ولم تتوقف العنصرية عند الحالات الفردية، في نبذ الآخر والتخوف منه، بل طالت أيضا المؤسسة الرسمية التي تتهاون مع الجرائم العنصرية، ويصل هذا التهاون إلى حد اتهام الضحايا، على غرار ما تفعله الكثير من المؤسسات الإعلامية الفرنسية.

كثر الحديث في الأعوام الأخيرة عن جرائم المتشددين الإسلاميين المرتكبة في فرنسا، ولكن لا حديث عن الجرائم العنصرية التي ترتكب ضد المهاجرين وأبنائهم إلا في بعض الدوائر الحقوقية والأكاديمية، أما على الصعيد الإعلامي وحتى القضائي فهي مجرد جنح أو جنايات ليس وراءها ما يدل على طابعها العنصري، وبالتالي فمقترفوها يحاسَبون كما يحاسَب الناس في قضايا الحق العامّ. ذلك أن القانون الفرنسي لا ينظر إلى العنصرية من خلال الجرائم المرتكبة، بل من خلال الخطاب الذي يعترف فيه صاحبه قولا أو كتابة بأنه اقترف جريمته بدافع عنصري.

ما يعني أن القانون لا يحاسب إلا من يتبنى عنصريته بصريح العبارة، وأن العنف الجسدي يعززه عنف نفساني حين تنكر المنظومة التشريعية والقضائية الطبيعة العنصرية لبعض الأعمال أو تقلل من شأنها.

العنف العرقي

هذا الموضوع تناولته عالمة الاجتماع رشيدة إبراهيم في كتاب صدر مؤخرا بعنوان “العرق يقتل مرتين”، مجال بحوثها منذ أعوام في نطاق المختبر المتوسطي لعلم الاجتماع التابع لجامعة إيكس مرسيليا. شملت دراستها سبع مئة وإحدى وثلاثين جريمة عنصرية ما بين 1970 و2000، عالجت من خلالها كيفية تعامل المؤسسة الرسمية وتوابعها مع مثل هذه الأعمال الإجرامية التي شهدت ذروتها في نهاية أغسطس 1973 حين شن العنصريون حملة على المهاجرين العرب في مرسيليا عقب مقتل سائق باص بيد عربي ممسوس، راح ضحيّتها ستة عشر مهاجرا عربيا من أصول جزائرية في معظمهم.

جدل في أوساط البحث الفرنسية حول المصطلح الأحق، الإثنية أم العرق، بوصفهما مصطلحين إجرائيين في الحقل العلمي

والباحثة لا تتوقف عند الدوافع الأيديولوجية لمرتكبي تلك الجرائم فحسب، بل تتجاوزها إلى تحليل المعالجة التشريعية والقضائية لأعمال العنف تلك لتبين البعد البنيوي للعنصرية. فثيمة الكتاب هي أن العرق، إذ يُحلّ أشخاصا في صنف عرقي لفرض علاقة هيمنة، يقتل مرتين؛ مرة حين يولّد عنفا جسديّا يتمثل في تسليط أعمال عنف على أجساد موصومة بكونها “خطيرة” أو “غير مرغوب فيها”، ومرّة أخرى حين يفرز عنفا نفسانيّا يتجسد على الصعيد الرسمي، المؤسساتي، وينجم عن المعالجة القضائية التي تنكر الطبيعة العنصرية للجرائم التي تنظر فيها، وتقلل من أهميتها.

والباحثة تسعى في هذا الكتاب لإظهار الروابط بين البعد البَيْذاتي للعنصرية والبعد المؤسساتي الذي يساهم في إضفاء الشرعية على العنف المترتّب عليها أو غض الطرف عنها. ولذلك فهي تستعمل مفهوم “العرق” للدلالة على عرقية بنيوية، ما يعني أن نظام المجتمع وقواعده هما اللذان يخلقان منظومة متكاملة بالمساهمة في إضفاء الشرعية على الميز العرقي والعنف الناجم عنه، بالرغم من التنديد الذي يصدر هنا وهناك.

 فممارسات العنف العرقي تستمد أصولها من تصنيف داخل المجتمع والدوائر القضائية والتشريعية لفئة توصم بكونها خطرا ينبغي التوقي منه وصدّه، فتجعلها عرضة للعنف؛ لأنّ توجيه الشكوك ضد مجموعة يقال إنها تمثل مشكلا يخلق علاقة هيمنة ومبررا للتمييز ودافعا لتسليط العنف. وتلك الأطراف، إذ تضع حدودًا إثنية، ترسم داخل الجسد المجتمعي رماةً لأهداف ممكنة، فيغدو الوصم أساسيا في مسار العَنصَرة، لأنه يضفي على الخصائص الجسدية والثقافية والدينية قيمة سلبية، فيخلق مجموعة ينظر إلى أفرادها نظرة دون، وتُنزَّل منزلة دون.

انطلاقا من أرشيف الجمعيات والصحف ووزارة الداخلية كوّنت الباحثة قائمة الجرائم التي اعتُبرت عنصرية، كان نصفها تقريبا (353) قاتلا، وميزت في تلك الجرائم ثلاثة أصناف من العنف: العنف الظرفي، والعنف التأديبي، وخاصة العنف الأيديولوجي الذي تحركه رغبة حماية أرض من حضور يعتبر مضرّا أو مفرطًا أو كليهما معًا. يضمّ هذا الصنف الجرائم التي تبنّاها مناضلو اليمين المتطرف، الذين جعلوا وجهتهم محلات يديرها أو يؤمها المغاربيون، حيث غالبا ما يشنون حملات ترويع و”تأديب” بدعوى الثأر من عربيّ اقترف جنحة أو جريمة في نفس المدينة.

 أما الصنف الأول فيندرج ضمن راهن المعيش اليومي حيث يُعتدى على المغاربي بدعوى أنه يشكّل تهديدا لملكية مواطن فرنسي أو شرفه، أو يزعج راحته. وأمّا الصنف الثاني من العنف، أي العنف التأديبي، فيرتكبه ممثلو الدولة من رجال الشرطة والدرك والجيش ضدّ فئة توصم بكونها منحرفة ولا بدّ من تأديبها.

في رأي الباحثة أن تلك الجرائم تندرج ضمن منطق العَنصرة الذي يوجه السياسة الفرنسية منذ نهاية حرب الجزائر. وتحليلها للجدل الذي رافق تطور سياسة الهجرة الفرنسية يبين توترا مركزيا بين مبادئ الجمهورية ومبادئ العنصرة. فبينما كانت الحكومات المتعاقبة تدعو في العلن إلى الكوني الجمهوري الذي يسع كل الاختلافات، كانت في الواقع ترسم سياسات تضع بعض الفئات المهاجرة في وضع خاص.

القانون والعنصرية

Thumbnail

فلئن كانت سياسات الهجرة والإدماج والعودة والسكن توحي بأن المهاجرين ليسوا كلهم أصحاب مشاكل، وإنما المهاجرون الأفارقة من شمال الصحراء وجنوبها فحسب، حيث يُنعتون بالقذارة والإزعاج وشهوة الجريمة وعدم قابلية الاندماج في النسيج المجتمعي الفرنسي، فإن أبناءهم الذين ولدوا في فرنسا ورثوا عن آبائهم تلك الوصمة، بمساعدة الطبقة السياسية ووسائل الإعلام، لاسيما اليمينية. وبذلك نابت عن صورة العامل العربي في الستينات والسبعينات صورة شاب الضواحي منذ مطلع الثمانينات، وما زالت تلك الفئة توصم في المنابر الإعلامية والسياسية بكونها منحرفة وغير مؤهلة للعيش في فرنسا، ما يعرض تلك الأجساد المعنصَرة إلى عنف مخصوص.

ويزداد الأمر سوءا حين يرافق العنفَ الجسديّ عنفٌ ثانٍ، نفسانيّ هذه المرة، ويطرأ عند مواجهة الضحايا المنظومةَ التشريعية والقضائية التي تنكر الطابع العرقي للجريمة، وتقلل من أهميته أو تقلب مسؤوليته، فيصبح المعتدى عليه متهما والمعتدي ضحية.

والباحثة تستعير مصطلح المظلومية الثانوية التي جاءت بها دراسات نسوية عن العنف بين الجنسين، حيث يتعرض ضحايا العنف العنصري، شأن العنف المسلط على الإناث، إلى مظلومية ثانية خلال المواجهة مع المنظومة الإعلامية أو القضائية التي تميل إلى اتهام الضحايا بكونهم ضحايا مظلوميتهم، أي أنهم يؤدون دور الضحية دون دليل ملموس.

الباحثة رشيدة إبراهيم تستعمل مفهوم "العرق" للدلالة على عرقية بنيوية

وهذه المظلومية الثانوية تتبدى في المعالجة الجزائية لأعمال العنف العنصرية. والباحثة تبين أن العنف، باستثناء وجهه الأيديولوجي، غالبا ما يحاكَم كجنحة لا كجريمة، بأحكام خفيفة عادة ما تكون مع وقف التنفيذ، أو بطلان الدعوى، أو التبرئة. وهو ما أطلق عليه المحامي الشهير جاك فيرجيس “جريمة قتل العربي” حيث بين أن المحاكم الفرنسية لا تصدر بشأنها في أغلب الأوقات سوى أحكام دون خمس سنوات، أي أن قتل العرب في شرعها جنحة، وليست جريمة، إضافة إلى تغييب القضاة البعد العنصري حتى وإن اعترف المجرم بدوافعه العنصرية، كأن يقرّ أمام الشرطة بأنه “لا يحبّ العرب” أو أن غايته “ترهيب العرب والسود”، أي أن الطابع العنصري ملغى في المحاكم.

وسبب هذا الإنكار أن الجريمة العنصرية لا وجود لها تشريعيا، وقد بينت مداولات البرلمان منذ السبعينات أن التشريع الفرنسي ركز على تجريم الكلام العنصري كالتحريض على الكراهية وإنكار الهولوكوست، ولكنه رفض تجريم العنف العرقي، رغم أن الميثاق العالمي حول نبذ كل أشكال الميز العنصري، الذي صادقت عليه فرنسا عام 1971، يطالب الدول الأعضاء بتجريم الكراهية العرقية والميز العرقي وكذلك العنف العنصري.

وقد ظلت فرنسا حتى نهاية القرن العشرين ومطلع هذا القرن ترفض الامتثال للاتفاقات الدولية والضغوط الجمعياتية والدبلوماسية، بدعوى أن قوانين الحق العام الموجودة كافية، ولا حاجة إلى سنّ قانون مخصوص لفئة محددة، بدعوى أن ذلك مناف للمبادئ الجمهورية، ما يعني بالنسبة إلى الباحثة أن المشرّع الفرنسي لا يرى في العنصرية عمل عنف جسدي، بل عنصر خطاب يقوم على الثّلب والقذف والاستفزاز والتحريض على الكراهية أو الميز العنصري.

ولكن بداية من عام 2003 تمّت إضافة الدافع العنصري إلى القانون كظرف تشديد، بيد أنّه كان تأكيدا على مكافحة العنصرية التي تغذي الحدود الإثنية، ووسيلة للحد من تصاعد معاداة السامية التي يتهم بها الشبان من ذوي الأصول المغاربية، خصوصا عند المواجهات الفلسطينية – الإسرائيلية، أي أن نواب البرلمان أوجدوا للعنصرية تراتبية بين العنف المسلط على العرب والسود من جهة وبين العنف المعادي للسامية من جهة أخرى، ففي اعتقادهم أنه أكثر إثارة للقلق، لاسيما أنه يُلقى على عاتق العرب أساسا.

 ولئن قبلوا أخيرا بإدراج الدافع العرقي ضمن ظروف التشديد فقد جعلوه مرهونا باعتراف صاحبه كتابة أو مشافهة، ما يحدّ من عدد الأعمال التي يمكن أن تحاكم كجرائم عنصرية.

وبذلك يولّد القانون عنفا ثانيا، فعندما يشتكي أشخاص من التمييز الذي يعاملون به بدافع عنصري تنكر الكونية (أي المساواة أمام القانون) الخصوصية التي تخلق ذلك العنف. وهو ما اعتبرته رشيدة إبراهيم عَنصرة وخلع عنصرة، لأن سياسة الهجرة والتشريع المناهض للعرقية تُعنصر وتُنكر العرق في الوقت نفسه، ما يعطي انطباعا لدى الضحايا وأقاربهم بأن القانون يسمح للجناة بالإفلات من العقاب، لاسيما إذا كانوا من رجال الشرطة، كما رأينا في الجرائم التي راح ضحيتها في الأعوام الأخيرة شبّان سود أشهرهم زياد بينّا وبونا تراوري وأداما تاروري. ولم تفلح حملات التنديد والتظاهر في إقناع المحكمة بالبعد العنصري لتلك الجرائم، حيث أخلي سبيل رجال الشرطة المورطين، وكأن شيئا لم يكن.

شبان يتظاهرون لأجل المساواة ومناهضة العنصرية
شبان يتظاهرون لأجل المساواة ومناهضة العنصرية

تعترف عالمة الاجتماع بأنها واجهت صعوبات جمّة في إعداد بحثها على الوجه المرضي، أهمها الوصول إلى المصادر. ولئن استفادت ممّا وفّرته الجمعيات وما عثرت عليه في أرشيف وسائل الإعلام فإن الأرشيف الرسمي لدى مؤسسات كالأمن والقضاء ظل عسير المنال، لكونه مرهونا بآجال تتراوح بين خمس وعشرين سنة وقرن من الزمان.

 أما اللجنة الوطنية الاستشارية لحقوق الإنسان التي ترصد الأعمال والتهديدات ذات الطابع العنصري منذ 1990 فهي تعتمد فقط على معطيات وزارة الداخلية، ما يعني أن الكثير من الجرائم العنصرية ليست مدوّنة كذلك، كما أسلفنا.

من الصعوبات أيضا اختيار المصطلح الأصوب، لأن العنصرية مفهوم يدل على عاقبة، وظاهرة تتبدى في مجتمع ما، ولكنه ليس مصطلحا إجرائيا، فهو لا يكشف عن سلسلة السببية وتعقيد التفاعلات التي يندرج فيها، بل يحجب البنية السياسية والاجتماعية التي تؤدي إلى العنف العنصري.

لقد تأثرت البحوث الفرنسية منذ قرابة عشرين عاما بما يجري في العالم الأنجلوسكسوني حول نظريات الإثنية والجندر والطبقية التي تُتخذ مقياس تصنيفٍ داخل المجتمع، وتسمح بالتعامل مع المجموعات المجتمعية وفق تراتبية محددة، ولكنها ولّدت تفاوتا في التعامل في شتى دوائر العالم الاجتماعي، من جهة السكن والتعليم والصحة والشغل، لأن تصنيف الأفراد حسب مقاييس إثنية يسبق العنصرية التي يمكن أن تتبدّى على المستوى الفردي في شكل مشاعر أو أفعال، أي أن بناء العرق يسبق العرقية.

ومن ثَمّ نشأ جدل في أوساط البحث الفرنسية حول المصطلح الأحق، الإثنية أم العرق، بوصفهما مصطلحين إجرائيين في الحقل العلمي، وجزءا لا يتجزأ من المعارف التي يسمّيها فوكو “المعارف الخاضعة” أي تلك التي تحتل مراتب دنيا في سلم المعرفة، ولكنها قد تكتسي معاني ووظائف أخرى إذا ما استعملت في مجالات مغايرة، وخاصة المجال السياسي، وهو ما ينطبق على مصطلح العرق؛ أي أنها من المصطلحات الدقيقة التي تدفع الباحث في كل مرة إلى تحديد فكرته، والتأكيد على أنه يتحدث عن بناء مجتمعي ينبذه، لا عن خصائص يمنحها الفرد جوهرا أو حقيقة بيولوجية.

ينشر المقال بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الثقافية اللندنية

10