في فن التكريم والتخليد هكذا تصنع الأساطير

الأحد 2016/08/07

صورة العداء البرازيلي السابق فاندرلي دي ليما وهو يحمل الشعلة الأولمبية، ثم يوقد المرجل الأولمبي ستظل بلا شك محفورة في الأذهان، فقد كانت ببساطة نعم التكريم والتخليد لهذا العداء الذي أنصفته بلاده ووسّمته بقلادة، ربما تفوق قيمة ورمزية القلادة الذهبية التي حرم منها قبل 12 عاما في أولمبياد أثينا.

لقد احتفى العالم بأسره بانطلاق المحفل الرياضي الأهم في الأرض، احتفى بأولمبياد بنكهة لاتينية خالصة حتى وإن غابت عنه مظاهر الترف والبذخ مقارنة بالدورات الأخيرة، فالأولمبياد البرازيلي ظهر في حفله الافتتاحي وكأنه أولمبياد التكريم والخلود الرياضي.

ودون الغوص في أعماق العبقرية العلمية وتوهج الأضواء المتلألئة في سماء ملعب الماراكانا الأسطوري، فإن في الحفل شيئا من السحر والعبق التاريخي، وشيئا من الحنين إلى الماضي والنظر إلى المستقبل بواقعية لا يشوبها شيء.

لقد ركز المنظمون في البدء على ضرورة العود إلى الأصل والتشبث بالأرض، لقد تم تقديم رسالة مفادها ضرورة المحافظة على كينونة الحياة وديمومتها في الكوكب الأزرق والأخضر الذي بدأ يخسر منذ زمان هذا الاخضرار، لقد تم التلاعب بالأضواء والمؤثرات الحسية والحضور “الكوريغرافي” بشكل باهر، فحضرت البساطة في أبهى تجلياتها، رغم بعض الهنات التنظيمية.

في المقابل، وبالتوازي مع كل هذا حضر التوسيم والتكريم والتخليد، وعاد الحق لأصحابه ولو بعد برهة من الزمن، ففي العالم بأسره وفي كل الأوقات واللحظات التاريخية يتم تكريم الأبطال في شتى المجالات.

كثُرٌ هم من نالوا شرف نحت تماثيل ونصبهم في الساحات العامة سواء في حياتهم أو بعدها من أجل تخليدهم، حدث الأمر مع سياسيين ومحاربين وأبطال رياضيين، إذ لا تكاد تخلو بلاد في هذه البسيطة من تمثال أو نصب تذكاري يحيي ذكرى أحد الأبطال وينعش الذاكرة دوما.

هذا ما حدث مع دي ليما، حدث معه وهو حيّ يرزق، لقد نال شرف إيقاد المرجل الأولمبي في أولمبياد ريو، وسار على منوال الأبطال الرياضيين العباقرة مثل الملاكم الأميركي الراحل محمد علي كلاي الذي أوقد شعلة أولمبياد 1996 أو الأسترالية كاثي فريمان التي نالت الشرف ذاته في أولمبياد سيدني 2000.

لقد سبق دي ليما كل نجوم الرياضة في البرازيل بمن في ذلك الجوهرة السوداء بيليه، أو لاعب التنس كويرتن أو رونالدو ورونالدينهو وروماريو وبيبيتو وزيكو… هو موقد المشعل الأولمبي في أول أولمبياد يقام في أميركا اللاتينية، سجل يا تاريخ.

سجل يا تاريخ أن فاندرلي دي ليما سيخلّد اسمه بأحرف من ذهب، ونال شرفا يساوي بلا شك أضعاف الحصول على المعدن النفيس في الأولمبياد.

دي ليما ربما لا يعرفه الكثير، لكن ما حصل له في أولمبياد أثينا 2004 أكسبه آنذاك شهرة كبيرة، فالعداء البرازيلي اقترب في تلك الدورة من التتويج بالذهب في سباق الماراثون، مسافة صغيرة وخطوات قليلة ليصل أوّلا إلى خط الوصول، لكن حصل ما لم يكن في الحسبان؟

اندفع متفرج إيرلندي “مهووس” ليحتضن دي ليما ويلقيه بعيدا عن سرب العدائين المتأهبين للتتويج، فأبعده عن الذهب وحرمه من الاستمتاع بنشيد بلده لحظة رفع العلم في حفل توزيع الميداليات، بكى دي ليما بحرقة شديدة وندب حظه العاثر الذي أسقطه في براثن متفرج “مجنون”.

حاول استعادة ميداليته الذهبية وحقه المسلوب، لكن اللجنة الأولمبية اعتمدت النتيجة رغم الحادث العرضي، واكتفى دي ليما بالمركز الثالث.

أما اليوم فقد عاد دي ليما في المركز الأول، عاد بعد 12 سنة ليستردّ جدارته بأن يكون الأول، سبق الجميع وأوقد المرجل الأولمبي، والفضل يعود في ذلك إلى اللجنة الأولمبية التي أصرّت على تخليد صورة هذا البطل عاثر الحظ، أرادت أن تكرّمه في موطنه وأمام مواطنيه، وتعطيه حقا لم يكن يحلم به يوما.

هكذا هي صورة أولمبياد ريو 2016 في أحلى زواياها وحللها، ففي الحروب يكون الجندي المغمور أكثر قيمة من أصحاب المراكز الأمامية، فكم من جندي يدفع حياته ثمنا للدفاع عن علم بلاده، ربما هكذا بدا المشهد لدى البرازيليين الذين رأوا أن دي ليما كان جنديا مغمورا قادته لعبة القدر إلى البكاء على منصة التتويج الأولمبي ذات مرة بفعلة فاعل، فحق له اليوم أن يكون حامل لواء البلاد وموقد المرجل الأولمبي في ملعب ماراكانا الشهير، علّه يوقد حماسة كافة الوفد البرازيلي المشارك في الأولمبياد ويهديهم سبيل التألق والتتويج والبكاء بالحصول على الميداليات ليس حسرة وكمدا، بل فرحا وغبطة.

إنه بحق أولمبياد التكريم والتخليد في أرض الأساطير وتمثال المسيح الفادي المطل فوق جبل كوركوفادو بريو دي جانيرو فاتحا ذارعيه ترحيبا بضيوفه من نجوم هذا الأولمبياد، وخاصة دي ليما.

كاتب صحافي تونسي

23