"في قلعة ذي اللحية الزرقاء" كتاب ينزع قشرة التحضر الراقي

لا وجود للجنة المفقودة في القرن التاسع عشر إنه خيال ديكنز أو رونوار.
الأحد 2020/11/15
الماضي هو الجنة الوهمية

أغلب الرؤى والمعتقدات وحتى الأفكار والمشاعر تنشأ من الماضي، وعلى اختلاف المسافة الزمنية التي تفصلنا عن الماضي، فإنه في الحقيقة في معظمه تصور خيالي، لا وجود له حقيقة، بل هو منتقى انتقاء جماعيا أو فرديا، لذا فإن الكثير من الصور والحكايات والخيالات التي باتت راسخة وحقيقة لا تقبل الشك اليوم هي في عمقها مجرد وهم، ومن بين هذه الأوهام الاعتقاد بأن الماضي هو الجنة المفقودة، على غرار ما نعتقده في القرن التاسع عشر من أشياء لا علاقة لها بالحقيقة.

لماذا تبذل جهود مضنية لإعداد وتلقين ثقافة ما، إذا لم تساهم تلك الثقافة في إقامة سد في وجه تغول كل ما هو لاإنساني؟ ثم ألم تساهم بعض الثقافات في الحث على البربرية؟ وهل من قبيل الحدث العرضي أن تكون لعدد واسع من الحضارات المتباهى بعرضها، في أثينا بيريكليس، وفلورنسا المديتشيين، وإنجلترا الإليزابيثية، وفرساي القرن العظيم، وفيينا موزارت، صلة تلازم وثيق مع سياسة الاستبداد أو الحكم المطلق، ومع نظام متحجر من الطوائف المنغلقة، وفي حضور مكتنف لها من عامة خانعة؟ كم من طاقات الثقافة تتغذى من العنف المهذب وكبح الجماح؟

هذه التساؤلات سعى الناقد الأميركي جورج شتاينر للإجابة عنها في كتابه “في قلعة ذي اللحية الزرقاء” والذي حمل عنوانا فرعيا “ملاحظات لإعادة تعريف الثقافة”، مؤكدا أن الماضي الفعلي ليس هو ما يحكمنا، بل ما يحكمنا هو صور الماضي؛ إذ كثيرا ما تكون هذه الصور محكمة البناء، شديدة الانتقائية مثل الأساطير؛ وتطبع صور الماضي وأبنيته الرمزية في حساسيتنا كما تطبع فينا المعلومات الوراثية تقريبا.

على هذا النحو يعكس كل عهد تاريخي جديد صورة نفسه في الصورة الذهنية لماضيه وفي أساطيره الفعالة، أو في الصورة الذهنية والأساطير الفعالة لماض مستعار من ثقافات أخرى؛ إنه يختبر معنى هويته وتأخره، أو إنجازاته الجديدة بمقابلتها مع ذلك الماضي.

جنة الماضي الخيالية

إن الأصداء، التي يسعى بوساطتها مجتمع ما لتحديد مدى صوته ومنطقه وسلطته، تأتي دائما من الخلف. فلا بد للمجتمع من أسلاف وأحداث سوابق. وإذا لم تكن هذه السوابق ميسورة المنال بصورة طبيعية، أو كان المجتمع جديدا، أو تمّ لمّ شمله بعد طول شتات أو استعباد، خلق الزمن الماضي اللازم لنحت “القواعد” المنظمة للكينونة، بأمر العقل والعاطفة ومشيئتهما.

يقول جورج شتاينر في كتابه، الذي ترجمه أستاذ الفلسفة المغربي الحسين سبحان وصدر عن مؤسسة “مؤمنون بلا حدود”، إن “خير مثال على ذلك تاريخ الزنوج الأميركيين، وإسرائيل الحديثة. ربما يكون الدافع الأخير إلى ذلك ميتافيزيقيا؛ إذ تبدو معظم أشكال التاريخ حاملة خلفها آثار فردوس مفقود. ففي لحظة من لحظات الأزمنة الغابرة كانت الأشياء أفضل، وذهبية تقريبا. كان ثمة توافق عميق بين الإنسان وبين الإطار الطبيعي”.

ويوضح “ثم إن تأثير أسطورة الخطيئة الأصلية ينتشر على نحو أقوى من انتشار تأثير أي دين من الأديان الخاصة. فمن الصعوبة بمكان العثور على حضارة، وربما على وعي فردي، لا يحملان داخلهما صدى لإشارات دالة على معنى كارثة بعيدة في الزمن: فقد حدث أن انعطف الإنسان انعطافا خاطئا في مكان ما من الغابة المظلمة والمقدسة، فأضحى لزاما عليه بعدئذ أن يعمل، على نحو اجتماعي وسيكولوجي، ضد النزوع الطبيعي للكينونة”.

ويرى شتاينر أن هذه الطوباوية المبذرة في الثقافة، أو ما بعد الثقافة الغربية الراهنة، تكتسي أهمية بالغة. لكنها مأخوذة في شكل دنيوي وثيق الصلة بالأصل. ويكشف أن شعورنا الحالي بفساد الترتيب والنظام، وبالارتداد إلى العنف، وبالوهن الأخلاقي؛ والانطباع السريع الذي يتكون لدينا عن انهيار أساسي للقيم في الفنون وفي جاذبية الأساليب الشخصية والمجتمعية؛ ومخاوفنا من “عصر مظلم” جديد، قد تنخسف فيه الحضارة نفسها كما عرفناها، أو قد تنزوي فيه داخل جزر صغيرة لمحافظة عتيقة – وهي مخاوف واضحة المعالم ومعلنة، إلى حد أنها صارت كليشيها مهيمنا على المزاج المعاصر -، يستمد ذلك كله قوته وبداهته الذاتية الظاهرية من المقارنة.

تأثير أسطورة الخطيئة الأصلية ينتشر على نحو أقوى من انتشار تأثير أي دين من الأديان الخاصة
تأثير أسطورة الخطيئة الأصلية ينتشر على نحو أقوى من انتشار تأثير أي دين من الأديان الخاصة

ينتصب وراء موقف الشك وتأنيب الذات القاسي الراهن حضورٌ – يمر من فرط سرعة انتشاره دون أن يخضع للفحص – لماض خاص، ولـ”زمن ذهبي” خاص. هناك نزال مستمر بين تجربتنا للحاضر، وما نصدره من أحكام سلبية في الغالب حول مكانتنا في التاريخ، وبين ما أود أن أسميه “أسطورة القرن التاسع عشر”، أو”الجنة الليبرالية المتخيلة”.

ويوضح أن إدراكنا يعين موقع تلك الجنة في إنجلترا، وفي أوروبا الغربية في ما بين 1820 و1915، تقريبا. وتظهر القسمات الرئيسة لمشهد “تلك الجنة” جلية لا تخطئها العين: تعلمٌ رفيعٌ ومتعاظمٌ للقراءة والكتابة؛ سيادة القانون أو النظام؛ الانتشار الحثيث لاعتماد أشكال التمثيل النيابي في الحكم، مع ما يعتريها من نقص لا شك فيه؛ احترام الحياة الخاصة في البيت، والتدابير المتنامية أبدا من أجل ضمان الأمن في الشوارع؛ الاعتراف غير القسري بالدور الاقتصادي والحضاري المحوري للفنون والعلوم والتكنولوجيا.

ومن ملامح الجنة أيضا تحقيق تعايش سلمي بين الدول الوطنية، يتم إفساده أحيانا، لكن مواصلته تتم بثبات “كما تم التوصل إلى ذلك، في الواقع الفعلي – مع بعض الاستثناءات المتقطعة – من معركة واترلو حتى معركة لا صم”؛ توازن ديناميكي منظم تنظيما إنسانيا في التفاعل بين الترقي الاجتماعي وبين خطوط قوة مستقرة، وعادات سائدة داخل الجماعة البشرية؛ معيار للهيمنة، وإن يكن ملطفا بتمرد متعارف عليه بين الأجيال، وبتمرد الأبناء على الآباء؛ تنوير جنساني، مع بقاء الجنس محورا صلبا مستترا لكبح أو تقييد مقبول.

ويضيف شتاينر “بوسعي أن أستمر في هذا التعداد؛ لأن القائمة قابلة بسهولة للتمديد والتفصيل. ما أقصد قوله هو أن كل ذلك يصنع صورة غنية كابحة، وبنية رمزية تمارسان، بإصرار كإصرار أسطورة فعالة، ضغطا على شروط وعينا الراهن. يحمل كل واحد منا، تبعا لاهتماماتنا، كسرا وقطعا مختلفة من هذا الكل المركب: يعرف الأب أو الأم عهدا سالفا كانت فيه الآداب الاجتماعية صارمة، والأطفال مروضين، ويعرف عالم الاجتماع ثقافة حضرية ذات مناعة كبيرة ضد تحدي الفوضوية وهبات العنف العاصفة، ويعرف رجل الدين ورجل الأخلاق عهدا مفقودا لقيم كانت محل إجماع واتفاق”.

ويتابع “في وسع كل منا أن يستحضر من ذلك تشخيصات ملائمة: أسرة يسود فيها النظام، بخصوصياتها الحميمية وخدمها؛ حدائق آمنة ومجهزة بوسائل الراحة والتنزه يوم الأحد؛ اللاتينية في حجرات التعليم المدرسي، وتدقيقاتها المسرفة في الساحات الجامعية المربعة؛ مكتبات لبيع الكتب، ومداولات برلمانية بين نواب متعلمين؛ كما يعرف الكتاب والناشرون ذلك العصر الذي كانت فيه الأعمال الأدبية الجادة، أو المنتجات الثقافية الأكاديمية التي تباع بثمن منخفض، تلقى صدى واسعا، أو نقديا، يرى عدد مهم ممن بقوا على قيد الحياة في الوقت الحاضر أن صيف 1914، الذي كانت سماؤه بلا غيوم، تمتد جذوره بعيدا في عالم أكثر تحضرا وبعثا على الثقة، وأكثر اتساقا من الناحية الإنسانية، من أي عالم آخر من العوالم التي نعرفها منذ ذلك الصيف. ونقيس برودة عصرنا الحاضر بالمقارنة مع تذكرهم ذلك الصيف الكبير”.

فراغ يكشفه الأدب

الأميركي جورج شتاينر: قشرة التحضر الراقي تختفي تحتها شقوق وتصدعات عميقة من الاستغلال الاجتماعي
الأميركي جورج شتاينر: قشرة التحضر الراقي تختفي تحتها شقوق وتصدعات عميقة من الاستغلال الاجتماعي

يقول شتاينر إذا ما توقفنا لحظة لتحليل مصادر هذه المعرفة، سوف نرى أنها مستمدة في الغالب من أصول أدبية أو فنية خالصة، وأن القرن التاسع عشر الذي نستبطنه هو من إبداع ديكنز، أو رونوار؛ وأننا سرعان ما سنعلم، إذا أنصتنا إلى المؤرخين، ولاسيما المنتمين منهم إلى الجناح الراديكالي، أن “الجنة المتخيلة” إن هي، من وجوه متعددة، إلا وهم وتخييل. إنهم يمدوننا بما يمكننا من أن نفهم من أن قشرة التحضر الراقي تختفي تحتها شقوق وتصدعات عميقة من الاستغلال الاجتماعي، وأن الأخلاق الجنسانية البرجوازية مظهر خادع، يخفي مساحة واسعة من النفاق المتمرد، وأن معايير الثقافة الأصيلة لا تنطبق إلا على قلة قليلة، وأن البغضاء بين الأجيال تزداد عمقا، وإن تكن في الغالب صامتة، وأن أمن أحياء ضواحي المدن والمتنزهات قائم تماما على تهديد أحياء الفقراء القذرة، المسموح به والمعزول في آن واحد.

كل من يكلف نفسه قليلا من عناء الاكتشاف سوف يدرك بوضوح ما كان عليه يومٌ من أيام العمل في مصنع في العهد الفكتوري، وكم كانت نسبة وفيات الأطفال في أقاليم مناجم الفحم الشمالية في فرنسا بين 1870 و1880. لا محيد عن الاعتراف بأن الثروة الثقافية والحياة المستقرة للطبقة المتوسطة، والمتوسطة العليا، طيلة الصيف الليبرالي الطويل، إنما كانت تتوقف، مباشرة، على الهيمنة الاقتصادية والعسكرية، في آخر المطاف، على أجزاء واسعة مما يعرف الآن بالبلدان المتخلفة أو العالم الثالث. كل هذا جلي لا غبار عليه. ونعرفه في لحظات تعقلنا. بيد أن معرفتنا هذه هي نوع من المعرفة المتقطعة، وأقل تأثيرا في نبض حساسيتنا من تأثير أسطورة جنة التمدن التي دمرت الآن، ومن تأثير مجازها المتبلور، بعد أن أفرغ في صيغة تعميمية ومحكمة.

ويشير شتاينر إلى أن القرن التاسع عشر نفسه يتحمل بعض المسؤولية عن هذا الاشتياق أو الحنين التخيلي للماضي. وفي وسعنا أن نركب لأنفسنا من منطوقاته مقتطفات من الفخر المتقد أو اللطيف.

ويتابع إن “تضخم المثل العليا الرومانسية للحب، وخاصة التوكيد على زنا المحارم، الاعتقاد بأن التطرف الجنسي وتنمية المرض ورعايته، في وسعهما أن يمنحا من جديد وجودا شخصيا لدرجات الواقع كافة، وأن ينفيا، إلى حد ما، عالم الواقع الكئيب للطبقة المتوسطة. من الجائز أن نرى في موضوع إدانة الحب الممنوع عند بيرون، وفي الحب القاتل عند فاغنر، بدائل لمخاطر الفعل الثوري المفقود”.

ويضيف “لقد صار الفنان بطلا. وصار العمل الفني في المجتمع المجمد بالقمع لب المأثرة وأنموذجها. ذلك هو الادعاء الذي أطلق في أوبرا بيرليوز‘بنفينوتو تشيليني‘، وفي أعمال بلزاك. وقد ذهب شيللي أبعد من ذلك؛ إذ على الرغم من مظهر الإرهاق والعجز الذي يظهر به الشاعر، يظل مع ذلك هو المشرع غير المعترف به للجنس البشري. إنه، كما قال فيكتور هوغو الساحر مستحضر الأرواح ذو الموهبة السماوية، على متن عربة التقدم. ليست هذه الاقتراحات هي ما أريد النظر فيها، وإنما أريد النظر في درجة السخط، وما تشي به من جفوة بين المجتمع وقوى الفكر”.

يرى الباحث الأميركي أن كل هذه التيارات المعبرة عن عدم الرضا، وعن التحرر الوهمي، وعن الهزيمة الباعثة على السخرية المريرة، دونت بدقة لا تضاهى، في روايات فلوبير، وفي حياته الخاصة. هكذا تجسد شخصية إيما بوفاري، بتفاهة قاسية، طاقات للأحلام والرغبات هيجت وأحبطت، لم يمنحها مجتمع منتصف القرن التاسع عشر أي فرصة للتصريف والتحقق. فروايته “التربية العاطفية” هي ضد رواية “التنشئة”، لأنها تدوين لتربية تبتعد عن حياة التجربة الواعية، وتولي وجهها شطر الخدر البرجوازي.

كما أن رواية “بوفار وبيكوشيه” هي نحيب تذمري طويل من الاشمئزاز والغثيان أمام نظام الحمية القيمي الذي لا يتزعزع لدى الطبقة المتوسطة. ثم كانت رواية “سالامبو”. إن كتابة هذه الرواية في منتصف القرن التاسع عشر بالضبط، واتسامها بهياج مسعور وفي الآن نفسه ببرودة جليدية، وبتعطش للدماء والحرب الوحشية، وللآلام العربيدة، يجعلها تقحمنا في قلب مشكلتنا؛ ذلك لأن سادية هذا الكتاب، والتوق المؤلم ومكبوح الجماح بمشقة إلى الوحشية، ينجمان مباشرة عن فحص فلوبير لحالته الخاصة. إنه لم يشعر منذ مراهقته سوى بـ”شهوات لا تشبع” وبـ”سأم مبرح”.

ويؤكد شتاينر أن مجرد قراءة المرء لهذه الروايات لا بد من أن يجعله يشعر بوجود فراغ كان بصدد تقويض الاستقرار الأوروبي؛ ولا بد من أن يعرف منها أن السأم كان يفرخ تخيلات جامحة مفصلة عن الكارثة الوشيكة. فقد كانت لأغلب ما حدث منذئذ أصولٌ خاصة في توترات مجتمع القرن التاسع عشر، وفي مركب من المواقف، حين ننظر إليه بعديا، نرى بيسر شديد أنه نموذج للثقافة نفسها.

ويتساءل “هل ينبغي أن نذهب إلى أبعد من ذلك؟ هل من المعقول أن نفترض أن كل حضارة عليا سوف تنمي داخلها ضغوط انفجارها الداخلي، ودوافع تدميرها الذاتي؟ هل يتجه بالضرورة مركب ثقافي ذو توازن هش ودينامي وحبيس في آن واحد داخل تجمع غير متجانس، نحو حالة عدم الاستقرار، وأخيرا إلى الانفجار؟ ربما تكون حضارتنا مثل نجمة بلغت كتلتها درجة حرجة – أي نقطة توازنت فيها بصورة نهائية تبادلات الطاقة بين البنية الداخلية وبين السطح المشع – فانهارت على نفسها، مرسلة في لحظة انهيارها ذلك الوهج المبهر للأبصار الذي نقرنه بالثقافات الكبرى في مرحلتها النهائية. أتكون ظاهرة السأم والتوق إلى التدمير العنيف ثابتين من ثوابت تاريخ الأشكال الاجتماعية والثقافية، عندما تجتاز هذه الأشكال عتبة من التعقيد؟”.

تشارلز ديكنز روائي رسخ الصورة المتخيلة لحقبته
تشارلز ديكنز روائي رسخ الصورة المتخيلة لحقبته

 

12