في كل مكان يفعل الناس الأشياء نفسها كل يوم

تستدعي الدراسات الثقافية مقاربات أكثر انفتاحا وإثارة في الممارسة النقدية، من خلال إبراز أهمية الدرس الثقافي في السياق النقدي، وتداول مفاهيم ومصطلحات تقوم على فاعلية التمثيل الثقافي، عبر قراءة النص، وعبر دراسة حواضنه، وتعالقاته والتعريف بمرجعياته، وأطروحاته ودراساته النسقية عبر فحص مشكلات الفكر والخطاب والفهم والتأويل.
السبت 2017/05/27
الملابس والشوارع هويات ثقافية

يسلط كتاب “الدراسات الثقافية/ مدخل تطبيقي” لمؤلفه مايكل رايان الضوء على أجناسية الدراسات الثقافية، وعلى أهميتها في خارطة الاشتغالات النقدية، وعلاقة هذه الدراسات بالسلطة والمؤسسات والتاريخ، فضلا عن علاقتها بالنقد الثقافي بوصفه جزءا من مجالاتها الإجرائية.

في مقدمة الكتاب، الصادر حديثا عن دار بغداد بترجمة وتقديم خالد سهر، يعمد المترجم إلى قراءة مفاهيم الدراسات الثقافية عبر التعريف بالثقافة، في سياقاتها الأنثربولوجية والسوسيولوجية والطبقية والهوياتية، وفي علاقاتها مع أنماط المعيش والسلوك وقيم الإنتاج والتلقي، وطرائق التعبير عنها في الفنون والمؤسسات والصناعة الثقافية، والعادات والتقاليد واللغات والملابس، وهذه وسائط تتجاوز ما هو معياري إلى التعبير عن المُتغيّر الذي يعيشه الإنسان في تلقي خطاب اللذة والخوف، والكراهية، أو العنصرية، أو العزل، في الوسط والبيئة والجماعة والطبقة والدولة والمجتمع.

الهوية الثقافية

يضم الكتاب 14 فصلا شارك فيها مع المؤلف الباحثان برات إنكرام وحنّا موسيول، شملت العديد من الموضوعات التي تخصّ المجال التطبيقي للدراسات الثقافية، تلك التي تدخل في دراسة مباحث التحوّل الوظيفي للثقافة، واستعمالاتها في الاقتصاد

الثقافي، وأنظمة السوق والصناعة والعمران والاجتماع وبرامج السينما والتلفزيون والألعاب والأزياء، والتي سمّاها رولان بارت “الأساطير”.

في فصل “السياسة والصناعة” يضعنا المؤلف أمام “المسعى الربحي للثقافة” والذي يؤسس إجراءاته النقدية من خلال تعالق الثقافة بالاقتصاد والسوق والإنتاج والتوزيع والاستهلاك.

وفي الحديث عن “المكان والفضاء والجغرافيا” يقترح المؤلف قراءة ثقافية للمكان والتاريخ والعمران، ولأثر التحولات التي يواجهها الاجتماع المديني المتعدد والمتنوع، ضمن “السياق المجتمعي” الذي يجعل الهويات فيها “أكثر سيولة وتعددية، وأقل تموضعا في أنموذج ثقافي منفرد”.

من خلال فصول الكتاب الأخرى “الجندر والجنسانية، الأيديولوجيات، البلاغة، الإثنية، الهوية وأسلوب الحياة والثقافة الفرعية، ثقافة المستهلك ودراسات الأزياء، الموسيقى، دراسة وسائل الإعلام، الثقافة البصرية، الجمهور والأداء والنجومية، الأجساد والأشياء، عبر القومية والعولمة وما بعد الكولنيالية” يحاول المؤلف الرهان على خيارات إجرائية لتعالق الثقافي بالنقدي، وبعلاقة الثقافة بكل المجاورات التي تخصّ تداول وتمثيل أفهومات الجنسانية والهوية، والجماعة والإثنية، والنظر إلى الآخر، وعبر التعرّف على الأنثربولوجيات الحاكمة، وعلى طبائع الأمكنة والأصوليات، تلك التي “تُحدد جزئيا هويات الناس الذين يعيشون فيها، وفي كل مكان يفعل الناس الأشياء نفسها كل يوم، لكنهم يسلكون حياة مختلفة قليلا”.

التعريف عبر التوصيف الثقافي للهوية يمثل تعريفا بوجودها في السياق الاجتماعي، وفي التمثيلات اللغوية، في أنساق تمظهرات الثقافة وأنماط استهلاكها في الاجتماع الاقتصادي والاجتماع الأنثربولوجي، أو في الاجتماع السياسي، وهو ما عمد المؤلف إلى مقاربته بوصفه تمثلا لعلامات لسانية وعلاماتية تعبّر عن المعيش، وعن المواقف والأفكار، وعن التنوع الثقافي، وما يُشار إليه عبر اللغة والملبس والزينة والطقوس والاحتفالات، والأذواق، لا سيما في المدن الكبرى، بوصف المدينة هنا شبكة من العلاقات والمصالح والتنوع الطبقي، وأن الثقافات الناشئة فيها تعكس أسلوب الحياة، وأنماط الثقافات، والأنساق المهيمنة، والمُعبِّرة عنها. فالأزياء كما يقول المؤلف تمثّل “توليفة من الهوية الذاتية والتأثير الاجتماعي، والأنموذج الثقافي والصناعة الثقافية، وأذواقنا في التسوّق يشكلها العالم الاجتماعي المحدد الذي ننمو فيه ونعيش، وعلى وفق المستوى الذي ننتمي فيه جميعا إلى فئة اجتماعية أو اثنية أو طبقة اقتصادية”.

بحوث تطبيقية في طريقة الحياة

خطورة الإعلام

خطورة وسائل الإعلام كما تصوّرها الدراسات الثقافية تكمن في أنها باتت جزءا من فكرة السيطرة -التعليمية والبلاغية- وجزءا من المنظومة النسقية الحاكمة، وفي تأثيرها في صناعة الرأي العام، الذي ينطلق من تغيير أنماط السلوك والمعيش، وعبر استعمال الوسائط في الإعلان والفرجة والتسوّق، فهي تعمد دائما إلى لفت الانتباه والإثارة، والإغراء، فضلا عن استعمال الإشهار في التعريف والترويج وفرض رأي جهة رأس العمل الحكومي أو الأيديولوجي، مقابل تسويغ القبول بسلطة القوة الناعمة، وهذا ما دفع العديد من وسائل الإعلام الكبرى إلى احتكار المعلومات والأخبار والتقارير، وفرضها على السوق، أو حتى لتبرير مواقف معينة في السياسات الدولية أو في الحروب، أو حتى في توصيف منحاز للجهات المتحاربة كما حدث في حرب فيتنام وحرب أفغانستان، أو في الحروب العربية، أو حول السياسات الأميركية وغيرها.

ثقافوية الوظائف البصرية للإعلام لا تنفصل عن السياسة النسقية للإعلام، فالمؤلف ينطلق من الزعم الذي يؤكد أنّ “للثقافة البصرية القدرة الكبرى على تشكيل معتقدات الناس أكثر مما يفعل النص المكتوب والكلمات المنطوقة”.

يضعنا المؤلف أمام ثنائية الجمهور والأداء، ليس لأنّ هذا الجمهور هو أكثر استهلاكا للبضاعة الثقافية، بل لعلاقة هذه البضاعة بتقانات التمثيل الثقافي، بوصفه المجال السيميائي الحاضن للتعبير، والتوصيف والإشهار، مثلما هو المجال النسقي الكاشف عن تعالق الخطاب الثقافي بـ”قبحيات” النسق الاجتماعي والسياسي والخرافي، فضلا عن كونه الأكثر تأثرا بما يتواتر في خطاب البثِّ، والتسويق، حدّ أنّ التحكم بهذا الخطاب بات رهينا بجملة من الاستراتيجيات الكبرى، تلك التي تصنع الرسالة والوسط والنجومية، وتحفّز بالمقابل غرائز التلقي عند الجمهور، وصولا إلى صناعة “مواجهات مُتخيّلة” وأنواع من الترفيه والمتع، التي يتم تسويقها عن طريق المشاهير، والتي تخلق حولها “خطابا، نظاما خاصا من اللغة، وأفعالا لغوية محتملة، تخلق الهدف الذي تصفه بالقدر نفسه الذي تسجل فيه وصفا موضعيا له”. هذا الكتاب، هو مجال للدرس الإجرائي في الدراسات الثقافية، تلك التي تسعى إلى تجاوز أحكام القيمة، والغوص في عالم الأشياء التي تُشكّل صور الموجودات، في مظاهرها الاستهلاكية، وفي علاقتها بالجسد والهوية والنظام والعادات والمعتقدات، فضلا عن تمثيلها لصور متعددة من السلطات، وأنماط ما تمثله المهيمنات الثقافية في البيئات الاجتماعية والسياسية، وفي تفاصيل الحياة اليومية الرتيبة والصاخبة.

16