في لحظة التغيير تسأل المجتمعات: من نحن؟

تراجيديا الشخصية الثقافية الجزائرية المتواصلة تتمثل في عدم فكّ الارتباط مع تراث الكولونيالية ومع أجندات الحزب الواحد.
الجمعة 2019/05/10
أركون يطرح مقاربة شمالية أفريقية الطابع

منذ الانتفاضات الشعبية في الجزائر في ثمانينات القرن العشرين إلى ظاهرة الحراك الشعبي التي تجري أحداثها راهنا، والجزائريون يطرحون على أنفسهم السؤالين التاليين بشكل أكثر إلحاحا وتوترا أكثر من أي وقت مضى: من نحن؟ وما هي خصائص الشخصية الثقافية الوطنية الجزائرية؟ سؤالان ناقشهما الكثير من المفكرين لعل أبرزهم محمد أركون.

يبدو واضحا أن الأجوبة المتداولة والمكرسة لسؤال الهوية وخصائص الشخصية الثقافية في الجزائر تغلب عليها إما النزعة التأريخية النكوصية حينا، أي تلك التي تبحث عن الهوية الثقافية في الماضي السحيق، وإما النزعة الدينية التي تفسر الهوية في إطار القالب الديني، وتنظر إليها وكأنها محددة بالمعطى الثقافي الديني وحده، أو النزعة السياسية المتشنجة الانتقائية التي تلغي حقبا تاريخية كثيرة ومعطياتها الثقافية حينا آخر، وفي كل هذه الحالات بقيت أطروحة الشخصية الثقافية الجزائرية معلقة في الفراغ وفي حاجة إلى الكشف والفرز وإعادة التركيب.

الشخصية الثقافية

في الحقيقة إن المعربين المتطرفين يختزلون مكونات الشخصية الثقافية الجزائرية في البعد الثقافي العربي، أما التيار الإسلامي المتطرف فيختزلها في العناصر الدينية، بينما التيار الإثني البربري المتمركز ذاتيا يحصرها في التراث الثقافي البربري، ويعتبر كل ما عدا ذلك استعمارا ثقافيا.

الفهم الجزائري للشخصية الجزائرية ليس واحدا موحدا
الفهم الجزائري للشخصية الجزائرية ليس واحدا موحدا

في هذا السياق يمكن لنا أن نلاحظ أنه لهذا السبب بالذات نفتقد حتى الآن إلى دراسة جادة ومتكاملة ومؤسسة على التحليل التكاملي التاريخي والنفسي والاجتماعي والسياسي للكشف عن معمار الشخصية الثقافية الجزائرية عبر التاريخ علما أن عددا من المؤلفات قد كُرست لهذا الغرض مثل مؤلفات مالك بن نبي، ومصطفى الأشرف، وكتاب التاريخ الثقافي الجزائري بأجزائه المتعددة للدكتور أبوالقاسم سعدالله، وكتابات كل من رابح بونار، وعثمان سعدي، فضلا عن نصوص متفرقة كثيرة أخرى نشرت هنا وهناك، ولكنها في الأغلب لا ترقى إلى أن تكون في مستوى الدراسات العميقة التي عرفتها بلدان أخرى مثل مؤلفات المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل الذي تمكن من دراسة مكونات هوية فرنسا ببعدها الثقافي والحضاري ودراسة جمال حمدان حول شخصية مصر التي تأثرت عميقا بمنظور بروديل.

ومن الملاحظ أن دراسة الشخصية الثقافية بالمفهوم المتطور لا تعني مجرد مسح تأريخي كرونولوجي لأشكال التعبير الثقافي في هذا المجتمع أو ذاك أو في المجتمع الجزائري الذي نتحدث عنه الآن وإنما تعني إبراز ما يدعوه الناقد الثقافي الفرنسي بيير بورديو بالرأسمال الرمزي الذي يميز شخصية مجتمع ما في حقب تاريخية معينة، وهو تمكن من بلورة هذا التحليل المهم من خلال فحصه لقطاع من المجتمع في القبائل الكبرى بالجزائر على نحو خاص ونجده في كتاباته عن نظرية الممارسة، ومنطق الممارسة، وما يطلق عليه الناقد الثقافي البريطاني ريموند وليامز تسمية “بنية الشعور” في كتاباته التي تعتبر مرجعا أساسيا للنقد الثقافي المعاصر والذي يعني حسب تعريفاته وتعريفات نقاده ما “يشير إلى أساليب تفكير مختلفة تتنافس لتبرز في زمان تاريخي ما”.

ويمكن لنا أن نترجم مفهوم وليامز ليطابق المفهوم الذي عممه العالم والمفكر الأميركي توماس كوهين في كتابه “بنية الثورات العلمية” وهو النموذج الكلي لدى مجموعة من العلماء أو في ثقافة مجتمع معين. وفي هذا الخصوص نجد المفكر الجزائري محمد أركون يفرد بعضا من كتاباته لنقد المشكلات الكبرى التي تعاني منها الشخصية الجزائرية.

وهذا يعني أن الدكتور أركون لا يدرس تضاريس المرجعيات المكونة للشخصية الجزائرية وتطورات هذه الشخصية على نحو محدد، وإنما يحاول أن يقدم لنا ما يدعوه بالحالة الجزائرية في إطار رده على المواقف الفرنسية الاستشراقية المنحازة والكولونيالية من الإسلام ومن الجزائر بشكل خاص وفي الصدارة مواقف وتأويلات الفرنسي هنري سانسون صاحب نصّ “الجزائر، مجتمع طائفي، ومع ذلك علماني”.

قبل استعراض ونقد تحليلات أركون بخصوص الشخصية الجزائرية، أريد الإشارة إلى أن ترجمة الدكتور هاشم صالح لعنوان نصّ سانسون المذكور والوارد في كتاب “العلمنة والدين” لأركون، فيه نظر لأن عبارة “مجتمع طائفي” لا تطابق معنى الصيغة الفرنسية حرفيا وهي société confessionnelle التي يمكن أن تعني مجتمعا اعترافيا.

أركون والجزائريون

دراسة الشخصية الثقافية بالمفهوم المتطور لا تعني مجرد مسح تأريخي كرونولوجي لأشكال التعبير الثقافي
دراسة الشخصية الثقافية بالمفهوم المتطور لا تعني مجرد مسح تأريخي كرونولوجي لأشكال التعبير الثقافي

منذ البداية يرى أركون أن الفهم الجزائري للشخصية الجزائرية ليس واحدا موحدا لأن القوى الاجتماعية والأيديولوجية عشية الاستقلال “لم تكن كلها على نمط واحد باتجاه الخط الذي انتصر عام 1962 بعد استلام السلطة من قبل التيارات والصراعات المختلفة التي كانت قد ظهرت سابقا حتى أثناء الحرب، وذلك وسط جبهة التحرير الوطني، وكانوا يناقشون حول الشخصية الإسلامية أو الجزائرية للبلاد، بمعنى هل هي إسلامية أم جزائرية”.

ويوضح أركون بانوراما الوضع الجزائري بأنه “كانت هناك تيارات مختلفة تتصارع: فمنها تيار ‘العروبية’ الذي انتصر في مصر بمجيء جمال عبدالناصر، ومنها تيار علماء الدين الذي كان يشدّد على الانتماء الإسلامي للبلاد ضمن خط السلفيين الإسلاميين. وكانت هناك أقلية خجولة تتحدث عن الانتماء الجزائري للجزائر: أي عن “الجزائر الجزائرية”.

في ضوء هذا يقترح أركون الابتعاد عن النظرة العقائدية الإسلامية للمجتمع الجزائري حيث يفضل الالتزام بنظرة علمي الاجتماع والتاريخ. في هذا السياق يقلب أركون النظرة السائدة التي تقول بأن فهم الشخصية الثقافية الجزائرية يجب أن يخضع للرؤية الإسلامية قائلا إن الإسلام هو الذي ينبغي أن يخضع “لحقائق ثقافية مرتبطة بفئات اجتماعية كانت معزولة عن بعضها البعض قليلا أو كثيرا أثناء الفترة الاستعمارية، ثم أثناء الماضي الأبعد أيضا”.

في هذا السياق يقدم أركون مقاربة شمالية أفريقية الطابع من أجل تشخيص واقع الشخصية الثقافية الجزائرية، “فالواقع أن المجتمع الجزائري، ككل مجتمعات أفريقيا الشمالية، هو مجتمع مجزأ (إلى قبائل، وعشائر، وعائلات بطريركية). وقد حافظت الفترة الاستعمارية على هذه الجزر الاجتماعية والثقافية الصغيرة والمنعزلة عن بعضها البعض، إلى درجة أن الإسلام الجزائري لم يكن يمتلك فيها نفس التواجد الواحدي والعقائدي والأيديولوجي الذي سوف يتحدد غداة الاستقلال، بسبب انبثاق الدولة القوية والإرادوية القسرية والمركزية للسلطة”.

ويرى أركون أن تأكيد السلطة الجزائرية خلال فترة الاستقلال على “الانتماء الحماسي البالغ للعالم العربي (أو للعروبية)، ثم التأكيد بشكل لا يقل قوة على انتمائها للأيديولوجيا الإسلامية (أكثر بكثير من انتمائها للإسلام) هو مجرد رد فعل على الاستعمار الفرنسي أكثر مما هو تحمل مسؤولية الواقع الجزائري للنواحي الاجتماعية والثقافية والتاريخية بشكل جاد ومتزن. أقول تحمل مسؤوليته من قبل دولة حرة فعلا”.

ويدعو أركون رد الفعل هذا بأيديولوجيا الكفاح بما في ذلك رواسبها في فترة الاستقلال. ومن هنا فإنه يميز بقوة ووضوح بين “التصور القسري للدولة والمجتمع الجزائري بعد الاستقلال كرد فعل على الاستعمار، وبين التطور الطبيعي لمجتمع يستخدم قواه وإمكانياته الداخلية وأصواته العديدة من أجل صنع تاريخه الخاص”.

كما نرى فإن الواقع الجزائري الراهن لا يزال مؤسسا على هذه الاختلافات التي تتحول من حين لآخر إلى تناقضات حادة تنذر بانقسامات وشروخ في بنية النسيج الوطني.

هناك مسألة لم ينتبه لها الدكتور أركون وهي أن فرنسا هي التي لعبت دورا محوريا مساهما في تحويل الإسلام في الجزائر إلى أيديولوجيا بدلا من تركه مجرد بعد روحي شعبي لا علاقة له بالنظام السياسي، والدليل على ذلك أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قد طالبت الإدارة الفرنسية رسميا (في وثيقة كتبها البشير الإبراهيمي وعدد صفحاتها مئة صفحة تقريبا) بفصل الدين الإسلامي في المجتمع الجزائري المستعمر عن النظام الاستعماري والدولة المركزية الفرنسية، ولكن هذا الطلب رفض رفضا قاطعا من طرف الحكومة الفرنسية.

ويبدو هنا أن تراجيديا الشخصية الثقافية الجزائرية المتواصلة تتمثل في عدم فكّ الارتباط مع تراث الكولونيالية ومع أجندات الحزب الواحد التي يعاد إنتاجها حتى في ظل ما يدعى بالتعددية الحزبية الباهتة.

14