في ليبيا تشتد الأزمة فتولد حكومة مفتعلة

لم تؤت الجهود التي تقوم بها الأمم المتحدة لبعث الحياة في حكومة الوحدة الوطنية، التي تشكّلت في تونس، أكلها حتى الآن، فيما يدفع تمسك الحكومتين الليبيتين في الشرق والغرب بشرعيتيهما الحكومة الوليدة لتتحول إلى سلطة ثالثة منافسة بدل أن توحد البلاد في مواجهة الخطر الجهادي المتصاعد.
السبت 2016/03/26
خطوات تفتقد اليقين

طرابلس – فشلت الدولة الليبية في استئناف مسارها بشكل طبيعي، بعد انهيار نظام معمر القذافي في فبراير 2011، ودخول البلاد في متاهة الفوضى وعدم الاستقرار والتهديد الإرهابي، الذي يرفع من منسوبه الخلافات السياسية التي لا يبدو أنّ حلّها قريب.

المفارقة في الأزمة الليبية، أن مختلف المعنيين بالأمر، سواء من الليبين في الداخل والخارج، أو المجتمع الدولي المعني بملف الأزمة الليبية، ما فتئوا يردّدون أن الحلّ في ليبيا لن يأتي من الخارج ولا بدعم خارجي لطرف ليبي على طرف آخر، لكن الأحداث على أرض الواقع تكشف غير ذلك، خاصة بعد أن تم الإعلان عن حكومة ليبية ثالثة تشكّلت في خارج البلاد.

ما معنى أن تتشكل حكومة ليبية أخرى، وتتخذ من تونس مقرّا لها، فيما الخلاف متقد بين حكومتي طرابلس وطبرق، وصوت السلاح مازال عاليا، في حين يواصل تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا نشاطه مستغلاّ هذه الانقسامات السياسية، وعن أي حلّ يتحدّث المجتمع الدولي وعن أي “حكومة وحدة وطنية” يتحدّث المبعوث الأممي إلى ليبيا مارتن كوبلر.

في ظل الواقع الجديد، أصبح في ليبيا ثلاث حكومات، تتقاسم اثنتان السلطة الفعلية على الأرض في الداخل، بينما تعمل الحكومة الثالثة من الخارج متعهدة بدخول طرابلس الخاضعة لسيطرة تحالف جماعات مسلحة تحت مسمى “فجر ليبيا”.

أزمة جديدة

يرى الخبير في الشؤون الليبية في معهد المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ماتييا توالدو أن “السؤال الأهم” يتمحور حول مدى قدرة هذه الحكومة على العمل بشكل فعال في ظل تواجد حكومتين منتافستين في ليبيا؛ بينما يعتبر محمد الجارح، المحلل السياسي الليبي في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، أن “ولادة الحكومة بهذه الطريقة تزيد الوضع السياسي تأزما وستترتب على ذلك تعقيدات جديدة قد تؤدي إلى عدم استقرار كبير”.

وتتنافس حكومتان على السلطة في ليبيا، واحدة في طرابلس والأخرى في شرق البلاد ولكل منهما برلمان. وعوض أن يتم إيجاد حلّ لهذا الانقسام تم تشكيل حكومة وحدة وطنية بدعوى إيجاد خطة تهدف لإنهاء الصراع المحتدم في ليبيا، وكان طبيعيا أن تلاقي هذه الحكومة الثالثة، المتواجدة في الخارج، معارضة قوية من معسكري الداخل.

ودعت حكومة الوحدة، في وقت سابق من هذا الشهر، لتسليم السلطة على الفور. لكن خليفة الغويل، رئيس الحكومة الموازية في طرابلس حذّرها من الانتقال للعاصمة؛ فيما قالت حكومة طبرق إنها يجب أن تحصل أولا على موافقة البرلمان المعترف به دوليا في شرق البلاد في تصويت أرجئ مرارا.

ويرى خبراء في الشأن الليبي أن الولادة المتعثرة لحكومة الوفاق والمستندة إلى بيان موقع من أغلبية نواب البرلمان المعترف به دوليا بعد الفشل في حيازة الثقة عبر التصويت، تعمق الانقسام وتزيد المشهدين السياسي والأمني تعقيدا في هذا في البلد المطل على البحر المتوسط والغني بالنفط والغاز.

التوجه داخل الأمم المتحدة ينصب على فكرة المضي في إدخال الحكومة إلى طرابلس والاعتراف بها دوليا

تثبت صحّة هذه الرؤية تصريحات عيسى عبدالمجيد، مستشار رئيس البرلمان الليبي (برلمان طبرق)، التي يستبعد فيها نجاح رئيس الحكومة الليبية الثالثة فايز السراج من نقل حكومته من مقرها الحالي بتونس إلى العاصمة طرابلس، مشددا في الإطار ذاته على أن وجودها بالعاصمة لو تحقق سيكون كعدمه لعدم امتلاكها أي صلاحيات أو وجود مؤيدين لها.

وقال عبدالمجيد، في مقابلة أجرتها معه وكالة الأنباء الألمانية، “أعتقد أن حكومة السراج ستبقى بالمنفى.. فليس لها دور ولا سلطة لها على أحد في البلاد لينفذ قراراتها… وبالتالي لا صلاحيات لها.. وحتى لو قدمت وهو احتمال ضعيف جدا، ستستقر في مقر الأمم المتحدة بمنطقة جنزور الساحلية القريبة من العاصمة ولن تفعل شيئا”.

وبالرغم من توالي الاعتراف والتأييد الإقليمي والدولي لحكومة السراج، والذي كان آخره في اجتماع وزراء خارجية الجوار الليبي والذي عقد مؤخرا في تونس، أكد عبدالمجيد على أن كل ذلك “لن يؤثر، والتأييد الدولي لن يفعل شيئا للحكومة الجديدة”.

وتابع في تعجب “80 بالمئة من حكومة السراج والمجلس الرئاسي إخوان مسلمون، فإذا كانت دول الجوار تؤيد تلك الحكومة فهذا يعني اعترافهم الواضح بجماعة الإخوان بل وبتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة (داعش) أيضا”. إلا أنه عاد وشدد على أن مواقف دول الجوار الليبي لا تتساوى في درجة الحرص على ليبيا وأمنها ومستقبلها، موضحا بالقول “نحن نعرف أن مصر دولة شقيقة واقفة مع ليبيا وهذا طبيعي لأن أمن مصر من أمن ليبيا”.

ورفض عبدالمجيد اتهامات كوبلر لبرلمان وحكومة طبرق بعرقلة المصادقة على حكومة السراج وبالتالي عرقلة مخرجات اتفاق الصخيرات، وقال مشددا “لو كانت حكومة السراج حكومة سوية وقادرة على فرض استقلال البلاد وبناء الجيش والشرطة وضبط الحدود لكنا دعمناها بلا تردد“.

وفي رده على تساؤل حول الدلائل على وجود ذلك التوجه السلبي لدي حكومة السراج، قال عبدالمجيد “لقد فوجئنا بالموفد الأممي السابق برناردينو ليون يخرج ورقة من جيبه وبها عدة أسماء من ضمنها السراج الذي لم يكن مطروحا تحت قبة البرلمان بالأساس، مما يعني دعمه من جهة غير معلومة“.

ويرى عبدالمجيد أن أهداف حكومة السراج تتمثل في “الحصول على أموال ليبيا المجمدة بالخارج والتي تقدر بمليارات الدولارات وتمكين الإخوان وغيرهم من التنظيمات الإرهابية من السلطة مجددا ومن ثم العمل على تقسيم البلاد لعدة دويلات”.

وكان المحلل السياسي الليبي عزالدين عقيل، فد صرّح في وقت سابق لـ”العرب” بأن هذه الحكومة “ستُشكل عبئا سياسيا جديدا على المشهد الليبي الذي يئن تحت وطأة تراكم الخلافات، ليعود بذلك إلى المربع الأول الذي يُبقي الباب مفتوحا على مصراعيه أمام شتى الاحتمالات بالنظر إلى ضبابية الوضع التي تجعل أمراء الحرب في البلاد هم المستفيدون أولا وأخيرا من ذلك”.

خبراء يرون أن الولادة المتعثرة لحكومة الوفاق تعمق الانقسام وتزيد المشهدين السياسي والأمني تعقيدا في هذا في البلد المطل على البحر المتوسط والغني بالنفط والغاز

أزمة أعمق

يقول سكوت ستيوارت، المحلل بمؤسسة ستراتفور الاستشارية الأمنية الأميركية، “بينت تجارب السنوات الأخيرة في العراق وأفغانستان بشكل واضح وحيّ أنه من الأسهل بكثير التخلص من نظام من حكم بلد لكن من الصعب جدا بناء حكومة مستقرة، والتاريخ مليء بأمثلة لجبهات ائتلافية اتحدت للتخلص من نظام قمعي لكنها انقسمت بعد ذلك ودخلت في صراعات داخلية ما إن تم إسقاط النظام الذي كانت تحاربه. وفي بعض الحالات نتجت عن الصراع من أجل السلطة حربا أهلية أشد ضراوة من الحرب التي أسقطت النظام. وفي حالات أخرى نتج عن هذا الصراع الطائفي فوضى دامت لسنين بما أن القبضة الحديدية التي ألجمت التوترات الإثنية والطائفية نُزعت فجأة، مما يسمح بإعادة ظهور هذه المسائل إلى السطح”.

وفي قراءته للمشهد السياسي الليبي الراهن، يبيّن ستيوارت أن “الانقسامات ظهرت بوضوح أثناء المحاولات الأخيرة لتكوين حكومة وحدة تحظى بموافقة كل من حكومة المؤتمر الوطني العام في طرابلس ومجلس النواب في طبرق. لكن حتى وإن تمكنت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي من ممارسة الضغط على حكومتي طرابلس وطبرق المتنافستين من أجل تجاوز خلافاتهما والعمل مع بعضهما البعض، (وهو أمر لا يبدو أنه سيتم قريبا)، فإن ذلك الانقسام لا يمثل إلا أحد خطوط الصدع في ليبيا حاليا، ولا تمثل كل من هاتين الحكومتين إلا جزءا من ليبيا، حيث يبقى عدد من المجموعات السياسية والميليشيات القوية في حاجة إلى الإقناع من أجل الالتحاق بحكومة الوحدة الجديدة، أو إلحاق الهزيمة العسكرية بالتنظيمات الجهادية”.

ويدفع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة منذ أكثر من عام نحو إنهاء النزاع في ليبيا عبر توحيد السلطات في حكومة وحدة تصب جهودها على مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية لمنع تمدده في هذا البلد الواقع على بعد 300 كلم فقط من السواحل الأوروبية، وعلى التصدي للهجرة غير الشرعية.

ويقول مايكل نايبي-أوسكوي الخبير في شؤون الشرق الأوسط والباحث السابق في مؤسسة ستراتفور “القلق الأكبر لدى المجتمع الدولي يستند إلى مصالحه الأمنية، إذ أنه بحاجة لأن يرى قوة على الأرض تكون قادرة على احتواء مسألتي المهاجرين والجهاديين، وتعيد إطلاق قطاع الطاقة”. ويتابع “لكن للأسف، تبدو البلاد بعيدة جدا عن هذا الأمر”.

7