في مآثم الحاكم الأبدي

الخميس 2013/08/29

يافطة كبيرة تهيمن على فضاء المكان، الذي تكسوه خضرة الزرع والأشجار، وتتناثر في أنحائه أبنية خفر الحدود على تخوم سوريا ولبنان. يافطة بارتفاع وطول وعرض عدة أمتار يحملها برج حديدي يغرس أقدامه بقوة في الأرض، وأحرف سوداء كتبت بخط ديواني شديد الأناقة، تقول تلك الأحرف جملة واحدة هي «حافظ الأسد إلى الأبد»، وكنت كلما تجدد اللقاء مع هذه اللوحة، أثناء عبوري من لبنان إلى سوريا، تجسدت أمامي المحنة التي تعيشها أقطارنا العربية، والسد الذي يحول بينها وبين التقدم والبناء والحرية، ورأيت تلك الجملة بحبرها الأسود، وحروفها العملاقة، كأنها ثقب أسود من الثقوب الكونية، التي تبتلع كل جهودنا في التنوير والوعي واللحاق بعصر الحداثة والفتوحات العلمية ومكتسبات الحرية، وحقوق الإنسان.

إنها لوحة تحمل إهانة للعقل والوجدان، وتحديا لكل معاني الخير والكرامة والحرية التي خلقها الله جبلّة في الإنسان، وتفرض عليه منطقا فاسدا مناوئا لكل حقائق الكون، ترغمه على أن يقبل به، ويبلع لسانه ويهز رأسه كما تفعل الأغنام ولا يقول شيئا إلا الحمد والشكر لصاحب النظام الأبدي.

وبسبب ما أثارته هذه اللوحة من غصة في قلبي، تمكنت ذات يوم من نشر مقال ساخر عنها، في صحيفة عربية شهيرة، قلت فيه إنني وقفت متعجبا أمام هذه اللوحة، متسائلا كيف تجرّأ كاتبها على خط كلماتها بهذا الخط العربي الجميل الذي عادة ما يختارونه لكتابة النصوص الدينية المقدسة، ثم جاء صاحب اللوحة يرشقها في هذا الفضاء، أمام المعبر الحدودي إلى سوريا، وكأنه لا يعي ما تحمله كلمات اللوحة من تناقض مع نواميس الحياة الإنسانية، وحقيقة أن الكائنات البشرية منذورة للفناء، ولا بقاء ولا خلود إلا لخالق الكون، فكيف يقول «حافظ الأسد إلى الأبد» وهو يعرف أن هذا الأسد إنسان مصيره إلى فناء.

وأضفت قائلا في ذلك المقال، إنه مرت أعوام مات أثناءها حافظ الاسد، وأعقبه في الحكم الأسد الابن، فصرت أراجع نفسي، ربما أكون مخطئا في حق صاحب اللوحة، وأنه يعرف حقائق الوجود وقواعد الحياة والفناء أكثر مني، فها هو أسد يموت ويحل الأسد الابن مكانه على طريقة مات الملك عاش الملك، التي تم ترحيلها من أنظمة القرون الوسطى التي تحكم بالحق الالهي للملوك، وتثبيتها في الجمهوريات العربية.

ثم جاءت الأخبار تقول بأن بيت الأسد الابن ازدان بمولود جديد اسمه حافظ، فتأكدت عندئذ من حكمة الرجل الذي كتب اليافطة، وأنه على حق وصواب، بدليل أن هناك حافظا جديدا سيعتلي عرش أسلافه الميامين، لتأكيد حقيقة ديمومة الحكم الأسدي وأبديته، وأيقنت بأن الخطأ يركبني من قمة رأسي إلى أخمص قدمي، مسلّما بما تقوله يافطة الحدود اللبنانية السورية. هذا ما كتبته منذ بضع سنوات، وجاء الربيع العربي، وتفجرت إرادة الشعب العربي تعيد للنواميس البشرية طبيعتها، وتلغي ما حاولت أنظمة القمع والاستبداد، أن تفرضه من تزييف لهذه النواميس واستبدالها بقوانين كاذبة لتلبي حاجة مرضية في نفوس طغاة بني قحطان، الذين صاروا يتساقطون الواحد تلو الآخر.

ولن يكون طاغية سوريا استثناء من المصير الذي نال رفاقه في أقطار الربيع الأخرى، وقد بدا واضحا في الأيام الأخيرة أن الحاكم الأبدي وصل إلى نهاية المحتومة، وأن أيامه صارت حقا معدودة، وأن العد التنازلي قد بدأ منذ الأربعاء (21 اغسطس)، عندما سقط مئات الضحايا (أطفالا في معظمهم) في أرض الغوطة المحيطة بدمشق، إثر تفجيرات إجرامية لقنابل كيمياوية، تحرّم البشرية استعمالها، وانطلقت في أركان الأرض الأربعة صيحات الاستنكار لإحدى أبشع ما عرفه العصر الحديث من جرائم، وارتفعت معها اللعنات التي أنزلها البعض بنظام الأسد واثقين أنه هو الفاعل والمدبر الضالع في ارتكاب هذه الجريمة ضد أبناء شعبه.

ولا أدعي أنني أعرف ما يعرفه الرئيس الفرنسي أو غيره من قادة العالم، وهم يتحدثون عن قرائن تؤكد أن الطاغية السوري وراء الجريمة، أو أملك الأدلة التي قالوا أنهم يملكونها، ولكنني أملك حدسا يصل إلى حد اليقين، بأن نظام الأسد هو الفاعل ولا أحد غيره، ولن أتحدث عن أدلة مستمدة من مكان التفجير في الغوطة، وإنما أتحدث عن الشواهد التاريخية السابقة لهذا الحدث، فكلها تقود إلى الفاعل الذي ارتكب الجريمة الجديدة، وكلها جرائم ارتكبها هذا النظام على مدى أكثر من أربعين عاما من الاستبداد، دون أدنى درجة من ضمير أو أخلاق أو اعتبارات سياسية أو إنسانية.

سجل نتوقف فيه عند جرائم مسح مدينة حماة ودكها بقنابل النار، وجبروت الانتقام من لبنان، وما أراقه من دماء الأبرياء قصفا وتفجيرا واغتيالا، وأساليب تنكيله بالمعارضة السورية الذي لا تتسع المجلدات لاحتوائها.

فهل نستغرب بعد ذلك أية إضافة يضيفها هذا النظام إلى سجله الثقيل، لأن الجريمة مهما كانت قوية في بشاعتها، فإن هناك في سجل هذا النظام جرائم أكثر بشاعة وقبحا، وستتواصل إن لم نر استنفارا إنسانيا يشمل كل القوى المحبة للخير من أجل إيقاف المجزرة، والإلقاء بهذا السفاح الذي يدير مافيا النظام في سوريا إلى مزبلة التاريخ.

9