في مثل هذا الليل

السبت 2014/07/19

في رأسه المحتشد بهوام ليل ضار بحرّه وهواجسه ووحدته، يغص بالذكريات والوجوه، يحاول أن يهرب من أيّ ماض حميمي عاشه في هذا المكان أو تلك البلاد، يحاول أن يقطع شريط الوجوه الضاجّة في رأسه وأعماقه التي أصبحت لا تزيده إلا وحدة ويأسا، بعد أن كان يستدعيها نجدة وسندا روحيا، لحظة احتدام الأسى والتداعي، على مشارف الاستسلام والانهيار..

في مثل هذا الليل، وليس النهار بأمثل، الذي لم يعرف مثيلا له في ما انقضى وانقرض من أيام وليال في حياته، التي حين يحدّق في خضمها ومطارحها المتشظية، يراها مديدة وطويلة أكثر مما يلزم لحياة أمثاله المرتطمة دائما بمحيط شديد الجذريّة في اختلافه واندفاعه الغرائزي القطيعي.. أولئك النفر المقدّر له أن يعيش بين ظهرانيهم لا يعانون وخزة ضمير عابرة، بل بالعكس، يشعرون بالارتياح والانسجام، كما يليق بالوضاعة القيميّة المجردة من أيّ بعد أخلاقي وإنساني، يشعرون بالارتياح والسعادة، حين يُباد أطفال ونساء ورجال، حين تُرتكب المذابح والأهوال الدمويّة، في حق قوم، يتوهمون الاختلاف والفروق معهم عبر تربية محتشدة بالكراهية والبغضاء، لا تردد، بل، من مقوّمات وجودها واستمرارها على هذا النحو الفظ، استدعاء تاريخ ووقائع، وغرسها في تلك النفوس البائسة مشبعة بالتحريف والدجل والتوجيه الأيديولوجي الطائفي، وليكون التاريخ ذلك المعين الذي لا ينضب من الخرافة القاتلة، أمثولة تمدّ حروب الحاضر بعتاد المعركة الطائفية والفئوية التي لا تبقي، مكتسحة كل إمكانيّة للصلات الإنسانية، لصلات التعايش والتفاهم بين مكوّنات البلد الواحد والتي تقتضيها أيّة حياة عليها أن تستمر على نحو من كرامة إنسانية وبداهة معيش مشترك، بداهة الوجود حتى بين أهل الغابات والمغاور والكهوف، ومكتسحة كل فرصة أمل ضئيل يلوح لتقدّم حضاري لمجتمعات رزحتْ عقودا، إن لم أقل قرونا تحت ثقل الاستبداد والعبودية والانحطاط.

ذلك النفر الطائفي الذي يسود البرهة التاريخيّة التي نعيشها في دنيا العرب، لا يمكن الحوار معه على أيّة جهة منطق وطموح لاستقامة رأي يتوسل أفقا مفتوحا لهذه المحنة التي تصبغُ كل شيء بدمها المتدفق شلالات وأنهارا، بعد أن ضنّت الطبيعة بأنهارها وكرمها..

وصار التعصب الكاسر الأعمى، المعبّر عنه علنا أو خفية وضمنا، حتى في المجالات التي من طبيعة تكوينها ووجودها ضدّ هذه الوجهة الهمجيّة الغرائزية الدهماء كالأدب وحقول الفكر وكل تجليات الإنتاج المعرفي، صارت ميدانا لتموضع هذه الغرائز ونوازعها واستيهاماتها، إنها ثقافة الرعاع بالفعل كما عبر عنها الدكتور أحمد برقاوي.

يبقى صراخ الضحايا، من كل فرقاء البلاد المنكوبة وأحلام الطفولة الموءودة يطبقُ على عنان سماء شعثاء لا مبالية، وعلى عنق التاريخ، وصمةَ عار على وجه الأرض وبشرها، أرض العرب خاصة.

شاعر من سلطنة عمان

16