في مدن الغرباء

لا تلفت لندن وسواها من مدن المهاجرين الكبرى إلى الرسامين العرب الذي يقيمون فيها. فهم ليسوا أوفياء لتجربتهم الإنسانية في الغربة.
الاثنين 2021/05/17
الرسم يعلي من قيمة الاختلاف (لوحة للفنان أميديو موديلياني)

أعرف ما الذي يعنيه أن يكون المرء مهاجرا، بل مهاجرا “مطرودا من وطنه” إلى الأبد. تلك تجربة يمكن أن تكون عميقة وأيضا يمكنها أن تمرّ مثل هواء على سطح أملس. الصفير لا يترك أثرا.

في النصف الأول من القرن العشرين، يوم كانت الحداثة الفنية تبلور مفاهيمها غصّت باريس بالفنانين المهاجرين. صنع أولئك المهاجرون باريس الفنية التي نعرفها.

مدينة النور استقبلت المتمردين من كل جهات الأرض ليسقوا وردتها برؤاهم النضرة. صنعت باريس مجد بيكاسو الذي كان إسبانيا وإلى جانبه كان هناك موديلياني الذي كان إيطاليا، أما السويسري جياكوميتي فقد كان يذرع أزقة سانت جيرمان جيئة وذهابا، وكان هناك التشيلي ماتا.

كان الروائيون الأميركان قد أوحوا لوودي ألن وقائع فيلمه “منتصف الليل في باريس”، كان ذلك الفيلم هو خلاصة خيال الغرباء الذين عبروا ليل المدينة التي لا تزال فرنسية وستظل كذلك، بالرغم من أن الغزو الذي بدأ منذ برانكوزي الروماني لا يزال مستمرا حتى اليوم. مدن العالم تغصّ بالغرباء. بل إن مدينة من غير غرباء لا تكاد تعثر على مكان لها على خارطة العالم المعاصر.

حين أجلس على مقعد في مترو لندن أستمع إلى كل اللغات ما عدا الإنجليزية. نادرا ما أُنصت إلى حوار يدور بين إثنين بلغة أهل البلاد. كلنا غرباء. ذلك ما ينبغي أن ينعكس على ما نقوم به من نشاطات تعلو على ما يجري في الحياة المباشرة.

الرسم وهو نشاط مرئي يقدّم المخيلة باعتبارها مشروعا بصريا كان دائما سيد الجبهات التي تعلي من شأن حقيقة الاختلاف في التعامل مع المرئيات. ولأني أعرف رسامين عربا قد هاجروا إلى الغرب منذ أكثر من أربعين سنة، فقد كنت أتوقّع أن أرى رسوما مطحونة بعذاب الغربة والنفي والهجرة والفقدان والوحدة والعزلة لا رسوما هي عبارة عن تتمة لما رأيناه من قبل. لم يكن ما تمنيته إلاّ وهما.

لذلك لا تلفت لندن وسواها من مدن المهاجرين الكبرى إلى الرسامين العرب الذي يقيمون فيها. فهم ليسوا أوفياء لتجربتهم الإنسانية في الغربة؛ يعيشون غربتهم كما لو أنها حدث مؤقت سينتهي يوما ما ويرسمون كما لو أنهم لم يُقتلعوا من أرضهم وثقافتهم.

16