في مديح الأجناس الأدبية

مسيرة الأدب والفنون هي مسيرة متنامية تتولد معها في كل مرحلة حساسيات جديدة يعبر عنها الكتاب والشعراء المجددون.
الأحد 2019/11/24
سيرة الأدب والفنون هي مسيرة متنامية (لوحة للفنان توفيق حميدي)

التطور الذي شهدته الشعرية العربية في منتصف القرن الماضي رافقه تطور في النقد تجلى في الانتقال من دراسة الشعر على أساس موضوعاته، إلى دراسته كوحدة كاملة تتداخل مستويات التجربة المختلفة فيه نظرا للتغيرات التي طرأت على رؤية الشاعر إلى العالم والحياة وإلى علاقة الشعر بكل هذا. وهكذا ظلت التصنيفات القديمة للشعر على أساس موضوعاته خاصة بكتب التراث التي تحيل على مفهوم الشعر في ذلك الزمن.

لكن الجانب الأهم الذي حققته الشعرية العربية الحديثة تجلى في سقوط مفهوم الحدود بين الأجناس الأدبية والفنون كما رسمتها نظرية الأجناس الأدبية، وهو ما ظهر في مصطلحات كثيرة باتت حاضرة في الدراسات الأدبية والنقدية مثل شعرية القص أو شعرية اللغة السردية أو السرد الفلاش باك، إضافة إلى تقنيات المشهدية والقطع السينمائي ورمزية اللون في القصيدة الحديثة، أو السينما الشعرية وصولا إلى ما عرف بمفهوم النص الجامع، الذي فقد فيه الجنس الأدبي استقلاليته وضوابطه المعروفة بعد أن ألغت الكتابة الجديدة هذه الضوابط والحدود بين هذه الأجناس الأدبية ككل وبينها وبين الفنون الأخرى من سينما ورسم.

لذلك يبدو مع هذا التطور في مفهوم النص غريبا أن يستمر الجدل حول مصطلح قصيدة النثر عند البعض على الرغم من أن هذا المصطلح الذي ظهر منذ القرن التاسع عشر جاء في سياق التطور الذي شهدته تجربة الكتابة الأدبية بشكل عام والكتابة الشعرية بشكل خاص في سياق الاختراق الذي حدث في نظرية الأجناس الأدبية، ما اضطر أصحاب هذه النظرية إلى الرضوخ لهذا التحدي الذي فرضه هذا التطور وإلى إبداء المزيد من المرونة في التعامل مع هذه المتغيرات من خلال جعل نظرية الأجناس الأدبية أكثر انفتاحها واستيعابا لمتطلبات هذا التطور في أشكال الكتابة الجديدة كما عرف في مفهوم السيولة الأجناسية. إن مشكلة قصيدة النثر لم تكن في المصطلح الدال عليها لأن هذا التحول طال بنية القصيدة ككل وجماليات الكتابة الشعرية، كما طال رؤية الشاعر ووعيه الجمالي في علاقته مع اللغة وأشكال التعبير فيها.

لكن المفارق والغريب أن بعض الكتاب والدارسين بعد أن استقرت المفاهيم الجديدة للكتابة الأدبية على أنواعها دخلوا في باب المفاضل بين هذا الجنس أو ذاك، من حيث قدرته على تمثل أساليب وتقنيات مختلفة من أجناس وفنون أخرى، كأن يقول البعض إن الرواية هي الأقدار على تمثل الشعر وفنون السينما ولغة الوثيقة والمنولوج والديالوج، أو يقول إن القصيدة الحديثة أظهرت كفاءة أكبر في تمثل السرد واللقطة السينمائية والمشهدية ودلالة الألوان وسواها.

من حق كل كاتب أن يفتخر بالجنس الأدبي الذي يكتب فيه كما من حق كل دارس أيضا أن يميل لهذا الجنس الأدبي أو ذاك، ويرى في جمالياته ما يحقق له المتعة والجمال، لكن عليه قبل هذا أن يدرك أن الأدب وحتى الفنون الأخرى أصبحت تتداخل فيها أصوات وأصداء أصوات مختلفة، وأن تقنيات الكتابة أو العمل الفني لم تعد معزولة عن الأجناس والفنون الأخرى، وهذه ليست فضيلة خاصة بهذا الجنس الأدبي أو هذا الفن بل هي سمة فارقة أصبحت تلازم جميع الأجناس والفنون، لكن نجاح توظيفها من عدمه يتوقف على الكاتب والشاعر والفنان وليس على الجنس الأدبي أو الفن طالما أن ثمة منتجا لهذا الجنس الأدبي أو هذا الفن.

إن محاولة البعض إضفاء صفات خاصة على جنس أدبي دون سواه هي محاولة من قبل البعض للاحتفاء به أكثر مما هي توصيف لديناميات داخلية خاصة بهذا الجنس أو ذاك، فالرواية الناجحة أو القصيدة العظيمة أو العمل الفني المميز هناك روائي ناجح يقف وراءه أو شاعر مبدع أو فنان موهوب ولا يختلف الأمر بالنسبة للسينما أو المسرح. إن التطور الذي شهدته أجناس الكتابة والفن ألزم أصحاب النظرية الأدبية تطوير مفاهيمهم عن الأجناس الأدبية ومفهوم الحدود التي طالما حاولوا من خلالها تصنيف الأدب والفنون على أساسها، ذلك أن مسيرة الأدب والفنون هي مسيرة متنامية تتولد معها في كل مرحلة حساسيات جديدة يعبر عنها الكتاب والشعراء المجددون من خلال الإضافات والتجديد الذي تحققه تجاربهم وإلا لكان الأدب والفن ما زالا يعيدان إنتاج نفسيهما في وقت أن حركة الواقع والحياة لا تتوقف، فأي مفارقة ستكون عليه حال الأدب لو تم ذلك؟

لذلك على أصحاب هذه المفاضلات بين الأجناس الأدبية أن يتخلوا عن هذه اللغة التي تجاوزها واقع الكتابة الجديدة والفن.

13