"في مديح الأفلام" السينما كما يراها سعد القرش

تعد علاقة السينما بالأدب علاقة وثيقة إذ قدمت السينما على مر تاريخها العديد من الأفلام المقتبسة من روايات، كما لم يتوقف دور السينما عند الاقتباس بل ساهمت في تطوير الكتابة السردية وإعارتها أدواتها الخاصة لتصبح أدوات كتابية. وتبقى الشاشة الكبيرة من أهم الروافد الفنية الإنسانية المؤثرة بعمق وسلاسة كبيرين.
السبت 2016/08/06
علاقة السينما بالأدب علاقة وثيقة

يُقدّم الروائي سعد القرش في كتابه الجديد “في مديح الأفلام: مهرجانات ومدن وشعوب تحبها السينما”، مشاهداته وتحليلاته لمهرجانات شارك فيها وأفلام أُعجب بها، وأيضا يُقيّم أداء ممثلين ويضعهم في مواجهة بين الفن والنجومية، في إشارة ذكية ولمّاحة رغم ما تسببه من أضرار عليه لجرأة آرائه، لانتصاره للفن والموهبة على حساب النجومية والذكاء.

السينما والأماكن

يجعل سعد القرش من مقدمة الكتاب، الصّادر عن مركز الأهرام للنشر، والتي عنونها بـ”فتى يعشق السينما”، شهادة يبرز من خلالها خصوصية علاقته بالسينما التي يصفها بأنها من طرف واحد، وقد أكسبته هذه العلاقة صداقات عرب وأجانب، وجعلت بعض الممثلين أفرادا من عائلته على حدّ قوله. ويتحدث عن بداية تعلُّقه بالسينما عندما كان فتى ريفيّا خاطر وركب الأتوبيس إلى المحلة لمشاهدة أول فيلم في سينما المدينة، والذي كان بعنوان “امرأة بلا قيد”، ثمّ تتوالى مشاهداته التي اتخذت حيزا من تفكيره أثناء دراسته في القاهرة، وارتياده سينما كريم، وحالة التوهان التي أعقبت الخروج من السينما ومن جرائها ضلّ طريقه إلى مكان إقامته في الجيزة.

لا يفوت الكاتب في المقدمة أن يتحدث عن علاقته بالمهرجانات التي وثّقت علاقته بالسينما، متطرقا إلى حالة التدهور التي لاحقت مهرجان القاهرة السينمائي عقب وفاة رئيسه سعد الدين وهبة. لا تقتصر علاقة الكاتب بالسينما على مشاهدة الأفلام أو حضور المهرجانات وإنما ثمة روابط متعدِّدة منها تأليف السيناريوهات، وحالة الإخفاق التي واكبت أول تجربة خاضها في ذلك.

الكتاب رغم أن عنوانه الفرعي يُفسِّر مضمونه عن المهرجانات التي شاهدها، ومن أشهرها مهرجان الهند وأبوظبي الدولي، إلا أن الكتابة تتجاوز هذا لتقدِّم تسجيلات رَحالة خاصة في الجزء الخاص عن مهرجان الهند، فيقدِّم العادات والتقاليد بل ينقض الأساطير الرائجة عن الهند من كونها بلد الأفيال، بما تحمله من استعارة مسيئة تقلّل من المكانة والتقدم اللذيْن وصلت إليهما الهند، ودخولها مجال التكنولوجيا، علاوة على البراعة في تنظيم المهرجانات والاحتفاء بالضيوف.

جرأة سعد القرش لا تظهر فقط في انتقاده للمهرجانات وإدارتها أو حتى الأفلام، وإنما تظهر أيضا في تقييمه للفنانين
عين الرحالة تصاحب القرش وتكاد تكون هي اللافتة في سرده عن مشاهدته لزيارته الأولى للهند وغيرها من البلدان. فيسرد عن الجمال بكافة أشكاله بما في ذلك جمال المباني حتى بدا المطار مقطعا من حديقة، إلى جمال المعاملة المتمثل في النظام والحفاوة، وتبجيل السينمائيين. وإلى جانب هذا يُقدّم لوحة زاخرة بالمعاني الإنسانية والجمالية. وصف الرحلة يتبعه وصف للأماكن المميزة فيسهب مثلا في وصف جامع جاما الذي شيده الإمبراطور المغولي شاه جاهان سنة 1656.

كما يعرض لمشاهداته في مهرجان أبوظبي وبدايات هذا المهرجان وكذلك المهرجان الوطني للفيلم الذي انعقد في طنجة، ويعدِّد الظواهر الإيجابية التي لفتت انتباهه طوال فترة انعقاد المهرجان مثل اقتحام المغربيات للإخراج السينمائي بقوة وثقة.

عين الناقد

يفرد المؤلف جزءا مهما في آخر الكتاب، يبدو كجزء مُستقل حتى دون أن يشير إلى ذلك، يقدّم فيه رؤيته للأفلام سواء أكانت تسجيلية مثل “التحرير 2011: الطيب والشرس والسياسي”، أم أفلام طويلة حيث يعيد قراءة فيلم “الكرنك” لعلي بدرخان بمناسبة مرور 40 عاما على إنتاج الفيلم، رابطا في رؤيته الفيلم بالرواية التي كانت أول رواية يشتريها لنجيب محفوظ، وينتهي إلى أن “الكرنك” تضعك أمام اختبار قاس لآدميتك، بين اختيار الحرية المشروطة والعبودية المختارة، خاصة إذا تمكّن الجلاد من كسر روحك.

جولة في عالم المهرجانات والأفلام وعدسة على آداء الفنانين وموهبتهم

وفي قراءته لفيلم “الناصر صلاح الدين”، يُناقش فكرة الزعيم الأسطوري، كما يقف بوعي نقدي عند فكرة السينما والزمن، وكيف أن أفلاما معينة كانت أشبه برؤى مُسطحة سعت لمواكبة أحداث بعينها، وما أن فارقها وهج الحدث حتى طواها النسيان، ويدلّل بأعمال سعى صُنّاعها من خلالها إلى تقديم الولاء للسلطة، إلا أن الأعمال لم تكن ذات قيمة، وهو ما حدا بفتحي رضوان وكان وزيرا للإرشاد القومي، لأن يقول في موقف عجيب لفريد شوقي بعد أن جاءه متباهيا بإنتاجه فيلم بورسعيد، فقال له «يجب أن تفتخر بأنك قدمت فيلم الفتوة».

أهمية قراءته النقدية للأفلام أنه يربطها بنصوص سينمائية أخرى متقاربة أو متناصة معها، فيربط بين فيلم الناصر صلاح الدين وعمر المختار لتأكيد فكرة الزعيم الأسطوري. يتكرر هذا مع فيلم السادات فيستعيد فيلم الفتوة لفريد شوقي الذي قدمه صلاح أبوسيف. ويرى المؤلف أن تعامل المخرج مع السياسي بطريقة مباشرة يُفْشِل العمل، ومن هنا جاء سقوط فيلم أيام السادات الذي يعتبره قدّم صورة كاريكاتيرية للسادات، فمن وجهة نظره هو فيلم تسجيلي يحمل وجهة نظر الإدارة المصرية وقت إنتاجه.

جرأة سعد القرش لا تظهر فقط في انتقاده للمهرجانات وإدارتها أو حتى الأفلام التي يشاهدها سواء أكانت روائية أم تسجيلية، وإنما تظهر هذه الجرأة التي مع الأسف لا نراها مع النقاد الفنيين، في تقييمه للفنانين، وهذا التقييم ليس انطباعيا، وإنما يُخضعه لمقياس مُهمّ هو الموهبة والذكاء، فهو يرى أن نجومية الفنان أنور وجدي كانت طاغية إنتاجا وتأليفا وإخراجا إلا أنه كانت تعوزه الموهبة، فأداؤه طوال مسيرته الفنية لم يتغير ولم يتطوّر، في حين أن فنانا مثل فريد شوقي كان ذكيّا مثله مثل محمد عبدالوهاب الذي كان يمتلك الشهرة والسُّلْطة والمال، فتوقف عبدالوهاب عند لحظة معينة، أما فريد فاستمر محتفظا بنجوميته على مختلف مراحل عمره.

مع اعترافه بالموهبة في تعزيز دولة النجم إلا أنه يرى أن الذكاء عامل مساعد وإذا افتقرت الموهبة إلى الذكاء خسرت الكثير، ضاربا المثال بالفنانة سعاد حسني التي كانت تمتلك الموهبة وينقصها الذكاء الذي امتلكته الفنانة فاتن حمامة، وهو ما حرمها من لقب فنانة القرن، الذي ذهب إلى فاتن حمامة وإن كان النقاد والسينمائيون اعترفوا بأنها ملكة التمثيل المتوجة ولكن بعد الرحيل. في عالم النجوم الذكور دولة النجم خضعت للفنان عادل إمام على مدار سنوات طويلة، رغم محدودية الموهبة وجمود الأداء الذي لم يتطوّر قط، ظل يلعب على منطقة واحدة محفوظة لم يفارقها، فقد تعددت الأفلام والقناع واحد.

الكتاب جولة في عالم المهرجانات والأفلام، وأيضا عدسة على آداء الفنانين وموهبتهم، دون مجاملة أو حتى مداهنة.

17