في مديح الجمال

الاثنين 2016/03/07

هل يحتاج الجمال إلى مَن يُثني عليه؟ حسنا، ولكن الزهرة لن تكون موجودة إذا لم ينظر أحد إليها.

الزهرة من جهتها ليست موجودة من أجل الغزل الذي يشكل النظر بداية لطريق ملغومة بالأحلام.

للزهرة وظيفتها، مثلما للإنسان وظيفته في هذا الكون الذي هو عبارة عن مجموعة هائلة من المفردات التي تعيش في ما بينها انسجاما شعريا، يصلنا نغمه من غير أن تتاح لنا فرصة رؤية الكمنجات التي تطلق ذلك النغم، فلو غابت واحدة من تلك المفردات لحدث خلل، لا يرتجى إصلاحه، جمال الزهرة يلحق بها ليؤكد ضرورتها، ما يفند الرأي الذي يقول إن الزهرة رسمت ملايين المرات وستظل ترسم لأنها جميلة، فالزهرة لم تخلق إلا لتعبر عن فكرة.

فكرة الزهرة أهم من الزهرة نفسها التي تعيش على سطوح أوراق الرسامين أكثر مما تعيش في الحديقة، في الرسم تكون الزهرة وفية لفكرة خلودها، جمالها يبقيها ليذكّر بلحظة الشكر التي وقف الرسام فيها أمام جلال الطبيعة، ليس الجمال سوى فكرته.

تنظر إلى امرأة ما فتقول “إنها جميلة” غير أنك لا تأسف لقولك “ولكنها حين تفتح فمها يتلاشى جمالها”، لن يضيع وقت مثلما يحدث مع الجمال، ولكنه الوقت الذي يضيعه المرء من غير أن يندم.

إن الأوقات الهاربة والضائعة والمهدورة كلها أوقات جميلة يتحسر المرء على استعادتها، وهو يعرف جيدا أن الجمال لا يمكن القبض عليه سوى مرة واحدة.

ما من جمال مستعاد هو الجمال نفسه، فالزمن هو أشبه بقطار يمضي من غير أن يلتفت إلى المحطة التي غادرها، لذلك اخترع الإنسان الفن، في محاولة منه لمقاومة الزمن. فكرة أن الجمال لا يشيخ هي التي يقاوم الفن من خلالها الزمن.

في الثناء على الجمال شيء من سر الخلق، نقول ونحن نتأمل صورنا القديمة “كم كنا جميلين”، ونحن نقصد أننا عشنا تلك اللحظات بعمق. في الجمال وحده يقع سرّ حياتنا.

كاتب من العراق

16