في مديح الدأب على الموهبة.. محمد صلاح مثالا

صلاح الماكر "أنشودة للبساطة"، لا يتفضل على زميله وهو يهديه كرة ليسجل هدفا، ولا يشعرك ببذل جهد في التهديف، فبينه وبين الكرة تعاقدا على المرور من قدمه إلى الشباك.
الجمعة 2018/06/08
أنشودة للبساطة

بين القلم والقدم اختلاف في حرف، واتفاق في أمور أخرى، أولها الموهبة ومصدرها الرأس في الحالين، وثانيها الدأب الذي يصون الموهبة وينميها، وثالثها التأثير البطيء لثمار القلم والسريع المتجاوز للغات فنون القدم. يتبارى الطرفان في تحقيق المتعة وانتزاع الدهشة والآهات بالخروج على المألوف والتمرد على قوانين الطبيعة. وفي الحصاد المادي تربح القدم بالضرورة؛ فما أكثر الناس بقارئين، والدليل اللاعب المصري محمد صلاح بتجسيده معنى مهما يلخصه عنوان كتاب “أنشودة للبساطة” ليحيى حقي.

لصلاح “حضور” غير عادي، وتأثير يتجاوز الناطقين بالعربية كمصدر إلهام يمنح طاقة أمل حقيقية لم تتح لعربي بهذا الانتشار. في الصعود العصامي بلغ الشاب مكانة رفيعة، ليس مصدرها التواضع وحده، وتلك فضيلة تفوت مواهب كبيرة مثل لاعب ساحل العاج “دروغبا” المختال حتى على الجماهير، كممثل موهوب ينقصه الذكاء فيسعى إلى تذكير الجمهور بالتفضل عليه بالتمثيل، ومع تنامي البارانويا سينتهي به الأمر إلى أن يعجب بسماع صوته، وتنغيم الحروف استعلاء واستعراضا، وهكذا لا يكون التمثيل إلا تمثيلا.

يحدث أحيانا أن ينمو، بعيدا عن حدود الغيط في غفلة من الفلاح، نبت “شيطاني” لا يحظى بانتباه أحد، فيمتص عصارة عناصر التربة في استبداد ذاتي يخطف الأبصار عن زرع معتنى به.

قانون النبات الشيطاني يجري على الظواهر البشرية، فلا نعرف مصائر 44 مبعوثا لمحمد علي عام 1826، وكان معهم رفاعة الطهطاوي، شيخ أزهري في الخامسة والعشرين، مهمته الوعظ وإمامتهم في الصلاة. ولم ينس الطهطاوي الطموح نصيحة أستاذه حسن العطار بتسجيل مشاهداته، وفقه العلوم الحديثة.

وكان الجبرتي الرافض للحملة الفرنسية ولأخلاق الفرنسيين في تاريخه “عجائب الآثار في التراجم والأخبار” وكتابه “مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس” مبهورا بالتقدم العلمي والفنون العسكرية، ولكنه لم يغادر إلى فرنسا للاقتراب من الأفكار المؤسسة للعلوم. وفي باريس ألهم الطهطاوي ذكاءه وساعده دأبه على اكتساب المعارف، وصار صاحب مشروع حضاري.

ولا أظن موظفا في مطار القاهرة التفت إلى صلاح في رحلاته الأولى، كما لم يقتنع به جوزيه مورينيو مدرب تشيلسي الإنكليزي حين قدم من بازل السويسري عام 2014، فذهب إلى فيورنتينا الإيطالي، ومنه إلى  نادي روما الذي وضعه في الواجهة.

صلاح الماكر “أنشودة للبساطة”، لا يتفضل على زميله وهو يهديه كرة ليسجل هدفا، ولا يشعرك ببذل جهد في التهديف، فبينه وبين الكرة تعاقدا على المرور من قدمه إلى الشباك، ولا يبالغ في احتفاله كأنه لم يفعل إلا المتوقع، فتتسرب إليك هذه الروح التي تمتاز بها مواهب فائقة، وكان مارادونا ينهض بعد عرقلات منافسيه، وإذا أعجزه قصر قامته أسعفته يده بتسجيل هدف في مرمى خصم سياسي (بريطانيا)، وتغشى عينا الحكم علي بن ناصر، وينسب اللاعب الأسطوري الفضل إلى “يد الله”.

لا أحتمل رؤية معاناة علي الحجار مغنيا، أو مشاهدة محمد منير ممثلا، وأنفر من ممثلين تنتفخ عروقهم انفعالا، وأحب ميريل ستريب وسعاد حسني وأحمد زكي ومحمد صلاح الذي ينطبق عليه تعريف يحيى حقي للقصة القصيرة بأن لها مقدمة طويلة محذوفة.

14