"في مديح الرواية" إنتاج ما لا حاجة إليه

لا يقدم الروائي المصري بهاء طاهر في كتابه “في مديح الرواية” جديدا من حيث المحتوى، باستثناء المقدمة، فالكتاب جهد تجميعي لمقالات كتبها سابقا، علاوة على أنه يتقاطع بشكل كبير مع كتابه “أبناء رفاعة: الثقافة والحرية”، بل ويحيل القارئ عليه في ما يتعلق بتراجع الثقافة المرتبط بما يتحدث عنه من تراجع لدور الرواية التفاعلي الاجتماعي.
الاثنين 2015/08/17
الكاتب بقي داخل دائرة زمنية انتهت مصطلحاتها وتغيرت مناهجها

كتاب بهاء طاهر “في مديح الرواية”، يتشارك مع كتابه “أبناء رفاعة: الثقافة والحرية”، في التبويب، فالكتابان يحتويان قسما تحت عنوان “عبرات”، بل إنني أكاد أقول: من الممكن وضع هذا الكتاب “في مديح الرواية” ضمن محتويات كتاب “أبناء رفاعة: الثقافة والحرية”، في سياق الحديث عن تراجع الثقافة وفعلها، كما يسميها، وإن كنت أفضل تسمية: الأدب بدلا من الثقافة.

وفي ما عدا الحنين الجارف إلى عصر التفاعل الأدبي الذي يغمر الكتاب والكاتب، والارتباط الشديد بالمضمون الروائي دون غيره من عناصر الإبداع الأدبي، وسرد الأحداث وذاكرة الروائي الكاتب المسيطرة، تتوزع تساؤلات دون إجابة بين دفتي الكتاب حول أسباب تراجع السلوك الثقافي، يمكن إرجاعها إلى كتاب “أبناء رفاعة: الثقافة والحرية”، لذا وجب التساؤل: لماذا نشر هذا الكتاب؟ وما الذي يضيفه إلى المكتبة العربية؟ وأين اعتبار القارئ لدى المؤلف والناشر؟

لا أعتقد أن النشر كان مبنيا على رؤية واضحة لدى المؤلف، وأجزم بأنه لم يكن واردا في حسابات الناشر، على اعتبار أن النشر والتأليف يستهدفان تقديم الجديد للقارئ، حتى لو كان المنهج تجميعيا، الأمر الذي يضعنا أمام مسألة تراجع الفعل الثقافي التي يطرحها المؤلف، فهو يتناقض مع ما يطرحه، ويمارس الفعل غير التراكمي بشكل واضح، وهذا ما يظهر جليا في بقاء الكاتب داخل دائرة زمنية انتهت مصطلحاتها وتغيرت مناهجها، لا يحكمه في ذلك إلا الحنين والتساؤل العاتب، ليتوافق مع ما يقدمه من آراء انطباعية حول روايات تعلق بها في صغره، مبعدا أي طريق نحو المناهج العلمية الحديثة في تناول النص وتشريحه، إلا أن ما صدمني أكثر خلال رحلة البحث الإلكترونية عن أصداء الكتاب، انشداد القراء إلى أسلوب الكتاب السهل والقريب إلى النفس، كما عبروا في تعليقاتهم على صدوره، الأمر الذي يؤشر على أزمة مكتملة الجوانب تتمثل في أزمة القراءة بأركانها الثلاثة: المؤلف والناشر والقارئ.

الكتاب جهد تجميعي لمقالات كتبها طاهر سابقا

إن الحديث عن فعل الرواية الاجتماعي وأهميته وقدرته على التأثير، لا ينبغي أن يكون في إطار الحنين والعتب والتساؤل ومديح الماضي فقط، بل كان من الواجب على روائي مهمّ أن يشخص الأسباب التي تقف وراء ذلك بشكل علمي، ويسبر أغوار الفعل الأدبي في محيطه، وتأثير المحيط فيه، فنحن أحوج ما نكون إلى تشخيص أسباب تراجع هذا الفعل وتفنيد الأسباب والبناء على النتائج بشكل تراكمي يقود إلى زحزحة هذا الواقع عن جموده، أم إننا فقدنا القدرة على تحديد ما نريد حتى في ما ننشره ونريد إيصاله إلى القارئ؟

إن الروائي المتصل بالمجتمع اتصالا وثيقا، من حيث قدرته على بناء مجتمع متخيل من صنع مخياله الروائي لقادر على تشخيص العلل المجتمعية وطرح صور متخيلة عن المجتمع الإيجابي، تحرض القارئ على التفكير فيها ومحاولة الوصول إليها. وهذا لا يعني تحديد مهمة الإبداع الروائي في إطار التغيير المجتمعي، بقدر ما يعني ضرورة تجاوز المبدع لما هو قائم، خاصة إذا كان السائد معطوبا وبحاجة إلى الإصلاح، فإذا كان قادرا على ذلك في العمل الروائي، فالأولى أن يقدر على ذلك إذا تصدّى إلى إنتاج عمل فكري نقدي، يقوم على التقرير ودراسة الواقع وتقويمه.

بقي أن نشير إلى التباعد الكبير بين العنوان الذي يحمل في تركيبه الحديث عن الرواية كجنس أدبي، حتى وإن كان من باب المديح، وبين المحتوى الذي يسرد عددا من الروايات المرتبطة بتوجه المؤلف وشعوره ليس إلا، فهو في القسم الأول الذي عنونه بـ”روايات” يتحدث عن روايات نجيب محفوط التي تعرض فيها إلى الحضارة الفرعونية، وآخر ما كتبه من قصص، ثم رواية فوزية أسعد “مصرية”، و”محاولة عيش” لمحمد زفزاف، و”عمارة يعقوبيان”، و”مسك الغزال” لحنان الشيخ، وثلاث روايات أخرى، لينتقل في قسم “عبرات أخرى” إلى الحديث عن أشخاص في ذاكرته هم: فتحي غانم وعبدالفتاح الجمل ولطيفة الزيات وأحمد صالح مرسي.

15