في مستعمرة "إيليسيوم" الأرض للفقراء والفضاء للأغنياء

الاثنين 2015/04/20
لوس أنجلس في العام 2154 أكثر بؤسا مما نتصور

تزدحم الأرض بسكانها وتضيق بهم، الأرض تئن من التلوث والاحتباس الحراري، الأرض تنضب مواردها الطبيعية، كلام صار يتردد كل يوم تقريبا في وسائل الإعلام، والتحذيرات لا تكاد تنقطع مما هو آت ومن إنقاذ أمنا الأرض، إذ بدأت ملامح الشيخوخة فيها تلوح في أكثر من ركن من أركانها، هي محصلة فيلم “إيليسيوم” للمخرج نيل بلومكامب.

المدن الكبرى التي كانت علامة من علامات التطور والازدهار والمدنية، ستبدو وقد نال منها ما نال من عوادي الزمن، بهذا ينطلق فيلم “إيليسيوم” للمخرج نيل بلومكامب (إنتاج 2014).

وها هي الطائرات تحلق في سمائها، وفي لقطات من الأعالي تلوح الألوان الداكنة تصبغ المباني وقد تآكلت وبدت عليها معالم الفقر. ها نحن في العام 2154 وسنتساءل، ما شكل هذه المدن العظيمة حينذاك، ها هي مدينة لوس أنجلس مثل أية مدينة بائسة من مدن البلدان الفقيرة.

تكتظ المدينة بالفقراء والمهاجرين وأطفال الشوارع والشحاذين والمشردين، ولهذا يجد أغنياء العالم حلا منقذا لهم، فيصنعون مستعمرة خاصة بهم يطلقون عليها اسم “إيليسيوم” يعيشون فيها حياة الرخاء والرفاهية، وينقلون إلى هناك كل مستحدثات العلوم والتكنولوجيا في بيئة رقمية نقية محصنة جيدا، ولا سبيل لاختراق أنظمتها الدفاعية.

فضلا عن وصولها بسكانها الخاصين إلى العمر الطويل، وحيث الشفاء من الأمراض والتعويض عن الأعضاء المعطوبة في البدن لا يتطلب إلاّ الدخول في أحد الأنظمة الطبية الرقمية المتطورة، ليتم إصلاح ومعالجة كل شيء.

وعلى تلك الأرض الخربة ووسط الفقراء يعيش الشاب ماكس دي كوستا (الممثل مات ديمون)، ويعمل في مصانع شركة عملاقة تصنع الآلات المتطورة والروبوتات وغيرها، ليتم شحنها إلى مستعمرة إيليسيوم تحت إشراف العقل المدبر والمنظم لكل أنظمة المستعمرة جون كارليل (الممثل وليام فليتشنير).

وأثناء إحدى مراحل العمل يتعطل الجهاز الذي يعمل عليه ماكس ويجبره رئيسه في العمل على إصلاحه، ولكنه وخلال محاولته تلك يتعرض إلى إشعاعات خطيرة تنتهي به إلى تلوث كامل يطيح به، حيث لا يبقى له من الحياة سوى خمسة أيام فيما يأمر رئيسه بإبعاده نهائيا.

ولكي ينقذ ماكس حياته يلجأ إلى أحد المهربين ويدعى سبايدر (الممثل واغنر مورا)، الذي يشترط عليه مقابل إنقاذه وتهريبه إلى مستعمرة إيليسيوم للبقاء حيا والتخلص من الإشعاعات التي تفتك ببدنه، أن يستهدف رئيس الشركة خلال رحلته إلى المستعمرة، ولغرض إفراغ ما في عقله من معلومات وبيانات.

دراما الصراع العنيف وقطع الأنفاس يحتشدان في فيلم "إيليسيوم" من زوايا عديدة وأطراف صراع متعددة

ويتقبل ماكس العرض بعد أن يجري تركيب أنظمة خاصة ترتبط بعقله وحواسه، لها القدرة على استرجاع تلك البيانات وتخزينها، وتقع خلال ذلك معركة شرسة تسقط خلالها الطائرة التي تقل رئيس الشركة، ويُنتزع قسم من المعلومات، فيما تقع مصادمة شرسة بين ماكس وزملائه وبين حراس رئيس الشركة تنتهي بقتل الجميع، ما عدا ماكس الذي يهرب بعد إصابته بجراح غائرة، الأمر الذي يدفع المستعمرة إلى تجنيد كل إمكاناتها للبحث عن ماكس من خلال وزيرة الدفاع ديلاكولرت (الممثلة جودي فوستر).

ينجح جنود المستعمرة من حمل ماكس بطائرتهم، ولكنهم يختطفون صديقته وابنتها قبله على نفس الطائرة، وهناك يلتحق بهم سبايدر ومجموعته ليتم اختراق النظام الأمني للمستعمرة، وقتل وزيرة الدفاع على يد أحد أتباعها، وخلال اختراق النظام يجري قبول كل سكان الأرض، حيث يتم إجلاؤهم إلى المستعمرة، فضلا عن علاجهم وهو ما يعجز عن إيقافه المتنفذون والأثرياء من ملاك المستعمرة.

دراما الصراع العنيف وقطع الأنفاس يحتشدان في هذا الفيلم من زوايا عديدة وأطراف صراع متعددة، وهي دراما تم بناؤها بعناية شديدة لدرجة أن الأحداث تجري تباعا دون أن تتيح فرصة لالتقاط الأنفاس، وقد عزز ذلك الاستخدام البارع للمؤثرات البصرية والسمعية والمونتاج الذي أعطى قيمة إضافية للسرد الفيلمي.

كل ذلك يتجلى منذ المشاهد الأولى الأكثر واقعية من خلال لقاء الطفلين ماكس وفراي، وتعاهدهما على البقاء معا وهما يعيشان وسط مدينة لوس أنجلس العظيمة التي صارت أكثر فقرا ومأساوية، ثم صراع الأضداد ما بين ماكس وخصمه كروجر (الممثل والمخرج دييغو لونا) الذي برع في استخدام تلك اللكنة الإنكليزية الفرنسية الغريبة في نطق الكلمات وفي صنع شخصية الخصم المتشرد والشرير.

أما أداء الممثل القدير مات ديمون، فلا يحتاج إلى كثير من الشرح في مواطن تفوقه وتجلياته في الأداء، وهو الممثل الذي عرف بتفوقه في عموم الأدوار التي أسندت إليه تقريبا، ولا ننسى ذلك التدفق التعبيري المتقن لاستخدام الموسيقى التي برع فيها رايان أمون لصنع أجواء متصاعدة، لقد أضافت للأحداث عنصرا جماليا مضاعفا في تقديم هذا الفيلم المتميز على كافة المستويات.

16