في مشكلة أن نكون كلنا أبرياء

الثلاثاء 2014/09/09

هل كان على الشعب العربي أن يؤيد جمال عبدالناصر في رغبته في الاستقالة من منصبه حين ضربتنا نكسة يونيو 1967 بسبب إهماله غير المتعمد؟لو فعلنا ذلك لكان التاريخ، تاريخنا المعاصر قد تغير بشكل جذري.

كان الرجل نبيلا في مسعاه. أقصد مسعى اعتزال العمل السياسي، وكان بالنسبة إلى الكثيرين نصف إله. ولكننا رفضنا الاستسلام لفكرة أن يكون الرجل ناقصا. رفضنا التعلم. رفضنا أن نكون بشرا كالآخرين، حين يخطئ أحدهم يكون عليه أن يدفع ثمن خطئه. صرنا نبحث عن أسباب لبراءة عبدالناصر في خيانة الآخرين من حوله. “ولكنهم بطانته، صفوة قومه، موقع ثقته، الرجال الذين صنعوه وصنعهم في مسرحية كنا شهودها السلبيين”.

كان ذلك كلاما لا ينفع. بالنسبة إلينا فإن عبدالناصر المعصوم من الخطأ كان بريئا. رمز قوميتنا لابد أن يظل بريئا، سيقال إنه كان نزيها. ما علاقة النزاهة بغفلته التي مكرت بنا وقلبت الأرض من تحت أقدامنا، ما علاقتها باختياراته السيئة التي كانت تقوم على أساس الموالاة وليس الكفاءة. ما علاقتها بخططه العسكرية التي كانت مثقوبة ومخترقة.الرجل الذي قادنا إلى الهزيمة ظل بطلا، وفي الوقت نفسه كان بريئا من أسباب الهزيمة. ولو اقتصرت المشكلة على عبدالناصر لهان الأمر، مع أنه لن يهون.

لقد ارتكـب الرئيس العـراقي صدام حسين من الأخطاء ما لم يرتكبه أحد سواه، غير أن أحـدا لم يكن معنيّـا بتـلك الأخطـاء في ظل ما أحيط بــه الرجل مـن رمزيـة بطولية دفعته إلى تحويل هزائمه إلى انتصارات، وهو ما ألهم محبيه من العرب الكثير من الأوهام التي لم تستنفد قدرتها على التأثير حتى بعد أن اُحتل العراق وجرى تحطيم دولته التي كافح الأجداد من أجل بنائها، لقد سلم صدام حسين بسبب أخطائه، التي لا تحصى، العراق بكل ما عليه وبكل ما تحته إلى الغزاة من غير أن يكون مذنبا. وبسبب رعونة وانحطاط أعدائه فقـد ذهب إلى المـوت بطلا. حلمه الذي استغرق حيـاة كاملة حققه موت ارتجالي لا يمكن نسيانه. في تلك اللحظة كان علينا أن ننسى أخطاءه، لنعلنه بريئا من كل ما لحق بنا من مآس. بدا الرجل الذاهب إلى الموت كما لو أنه لم يكن سببا في ما تعرضنا إليه من عمليات إبادة. كان بريئا مثل طفل يعود من المدرسة ليجد قريته قد مُحيت بسبب زلزال.

يمكننا أن نقول الكلام نفسه عن القذافي، عن البشير وقبله النميري، عن حسني مبارك وقبله السادات، عن بشار الأسد وقبله أبيه، عن علي عبدالله صالح وقد تلاه في الحكم نائبه. ولكن هل تتعلق المشكلة برغبتنا في أن يكون زعماؤنا أبرياء، أم أن المشكلة تقع في حاجتنا إلى أن لا نتعثر بذنوبنا لنخلص إلى مرايانا باعتبارنا كائنات بريئة؟

كانت البراءة عنوانا لهلاكنا الذي بدأ مجازيا، لينتهي إلى صلابته الواقعية. نحن اليوم أمة هالكة لا يمكنها أن ترفع يدها لتشير إلى مواقع أخطائها. ربحنا أبطالا، غير أننا خسرنا حياة لم يعد في إمكاننا تحمل شروطها. صرنا أبرياء في مواجهة حياة لم نعشها كما يعيشها الآخرون. سنقول دائما “إن تلك الحياة التي خسرناها لم تكن من صنعنا” فلمَ لمْ نحاول أن نصنع الحياة التي تليق بنا، كائنات بشرية تلام وتعاقب وتركن جانبا حين تخطئ؟

أعتقد أننا ضربنا مثلا سيئا للبشرية حين قبلنا بالخطأ السياسي باعتباره عنوانا للبراءة التي صارت بالنسبة إلينا مرادفة للسذاجة والغباء والعناد. وهو ما ندفع ثمنه اليوم، من غير أن نعترف أننا قد أذنبنا في حق تاريخنا الذي بقي نائما وإنسانيتنا التي بقيت معلقة. لم نبحث في ما بيننا عمّن أخطأ لنتعلم درسا من ذلك الخطأ. كنا أبرياء من خراب صنعناه بأيدينا.


كاتب عراقي

9