في مصر الشعب فقط هو الحاكم

السبت 2016/04/23

انتهيت من قراءة مقال الكاتبة السعودية سارة مطر الذي نشر في صحيفة “العرب” الثلاثاء الماضي وسرعان ما أدركت حقيقة كانت تجول بخاطري منذ اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، وهي أنه لم يعد لدى العرب القدرة على فهم ما يحدث بالضبط في مصر.

استشهدت الكاتبة بفيلم “غير قابل للكسر” بطولة الممثل الأميركي جاك أونيل. لكن لم أدرك علاقة الاستشهاد بقصة الفيلم التي تدعو إلى التسامح مع السجانين والمستبدين وجيوش العدوان، واتهامها للشعب المصري بأنه لا يعرف تاريخه ولا جغرافيته ولا حتى سمع عنهما في الكتب المدرسية.

كل ما نجحت الكاتبة في التعبير عنه هو غضبها على احتجاجات الشعب المصري على تسليم الرئيس عبدالفتاح السيسي جزيرتي تيران وصنافير الواقعتين عند مدخل خليج العقبة للسعودية. نجحت الكاتبة أيضا في تأكيد مخاوفي الشخصية من أن لدى العرب (كل العرب) أجيالا جديدة لا تعرف شيئا عن مصر ولا عن المصريين.

لو كلفت الكاتبة نفسها عناء تصفح كتاب الدراسات الاجتماعية المقرر على الصف السادس الابتدائي في مصر لكانت تأكدت، قبل أن تتسرع بالكتابة عن شيء لا تعرفه، أن المصريين تربّوا على الاعتقاد بمصرية هاتين الجزيرتين منذ ما قبل التاريخ.

لا أريد هنا أن أنزلق إلى “عنصرية” ألقت الكاتبة بعبئها الثقيل على كاهل المصريين ووصمتهم بها، ولا أرغب في التسلل إلى اعتزاز مستحق بتاريخ طويل علمت خلاله مصر العالم كيف تبنى الدولة الوطنية وتستمرّ الآلاف من السنين بنفس صياغة التكوين والبناء، ونفس درجة التماسك والاعتداد بالنفس رغم ما يمرّ بها مؤخرا من مرض عضال.

تقول مطر “لم يكن أيّ من أفراد الشعب المصري يعرف قصة هاتين الجزيرتين، ولا أظن أحدا منهم قد سمع بهما من قبل، ولكن.. وجد (الشعب) فرصته في أن يكون لهُ رصيد أكبر في حشد المظاهرات وكتابة الاعتراضات، وتدوين التهم والصراخ عبر مختلف وسائل الإعلام، لكي يصل حتى إلى أن يكون لديه رأي في ترسيم حدود دولته، الشعب يمتلك الحق في أن يثور لأنه لا يجد قوت يومه، لا أن تكون لهُ السلطة في التدخل في ما ليس به علم”.

الكاتبة لا تعرف بالتأكيد ما يتعين على الحاكم من واجبات أمام شعبه عندما تجمع بين هذا الحاكم والشعب علاقة مصاغة في كتيب صغير جُبلَ في الدول الحقيقية على تسميته “الدستور”.

في البلدان الديمقراطية، أو التي تناضل شعوبها من أجل أن تصبح ديمقراطية، يُلزم هذا الدستور الحاكم بالعودة إلى الشعب في أمور أصغر بكثير من التنازل عن السيادة الوطنية على جزء من الأرض. والمقصود بالسيادة الوطنية هو مجرد رفع العلم على أرض محددة المعالم أو جزيرة أو جبل أو نقطة جيش أو شرطة. جعل الدستور المصري الذي أقرّ عام 2014 الاستغناء عمّن يشغل منصب الرئيس نفسه، أيّا كان، أسهل من الاستغناء عن أيّ شبر من أراضي الدولة.

تنص المادة 151 من الدستور، الذي لم يخضع لأي نوع من التدقيق أو حتى المطالعة من قبل الكاتبة قبل أن تشرع في كتابة مقالها، على أنه “…يجب دعوة الناخبين للاستفتاء على معاهدات الصلح والتحالف وما يتعلق بحقوق السيادة، ولا يتم التصديق عليها إلا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بالموافقة. وفي جميع الأحوال لا يجوز إبرام أيّ معاهدة تخالف أحكام الدستور، أو يترتب عليها التنازل عن أيّ جزء من إقليم الدولة”.

بعد قراءة هذه المادة لا أرى أن الشعب المصري وصل إلى المرحلة التي بات فيها مضطرا إلى أن يحذو حذو الألمان واليابانيين، الذين دعت الكاتبة المصريين إلى الاقتداء بهم في عدم التدخل في “كتابة وصياغة الحدود الدولية مع الدول الأخرى” والاكتفاء “بالنجاة من هلاك الحرب”. فمن قال للكاتبة إن مصر تعاني من “هلاك حرب” وأن المصريين يكافحون للنجاة منها.

ما لم تفهمه الكاتبة هو أن المصريين لا يجدون أنفسهم مضطرين، كما كان الألمان واليابانيون المهزومون في حرب عالمية كبرى، للتنازل عن أيّ شبر من أراض يؤمنون بعمق أنها أراضيهم.

تستند ملكية الأرض، وفق مبادئ الوطنية المصرية الراسخة منذ الآلاف من السنين، إلى أن الوطن لا يعار وسط غبار المعارك تفاديا لتقديم الدم دفاعا عنه إلى دولة أخرى قادرة على حمايته، ثم يستعاد مرة أخرى بعد انقشاع الغبار وحلول السلم والرخاء.

وثّق المصريون ملكية تيران وصنافير بالالتصاق وجدانيا بها منذ كان رمسيس الثالث قبل أربعة آلاف عام ينحت خرطوشة تحمل اسمه في جبال تبوك التي كانت نقطة من حدود الإمبراطورية المصرية آنذاك، وصارت حديثا جزءا من الدولة السعودية الوليدة. استند المصريون أيضا على اعتراف العالم بمصرية الجزيرتين الذي نُصّ عليه في اتفاقية السلام الموقعة مع إسرائيل عام 1979. ومن قبلها المعاهدة التي وقعتها مصر مع الدولة العثمانية في الأول من أكتوبر 1906، والتي تمّ بموجبها ترسيم حدود مصر الشرقية، واحتل الجيش المصري وفقا لما جاء فيها مواقعه في جزيرتي تيران وصنافير تأكيدا للسيادة المصرية عليهما.

كان الجيش المصري هناك، في حين لم يزر الجزيرتين من قبل أيّ جندي سعودي، ولم يُرفع علم السعودية مطلقا على أي منهما. هذا الجيش المتماسك المنضبط الذي اتهمت مطر ضباطا فيه بتهديدهم قائده الأعلى في بيانات لا أعرف أين سمعت بها.

إشارة الكاتبة إلى مقطع فيديو بعنوان “تهديد لواء سابق في الصاعقة للرئيس السيسي” أكدت أنها لم تستوضح ما جاء في المقطع، وأنا على يقين من أنه كان سيفيدها الضغط عليه ومشاهدة محاضرة معصوم مرزوق مساعد وزير الخارجية السابق لشؤون المعاهدات والوثائق، الذي سالت دماؤه مع رجاله على هاتين الجزيرتين دفاعا عنهما.

لم أشأ الرد على الكاتبة لكنني أردت تصحيح حقائق بدت لي مشوشة لديها عن مصر وشعبها، وعن تيران وصنافير، وعن حكم السياسة وسياسات الحكم في الدول الضاربة في عمق التاريخ.

صحافي مصري

9