في مصر الكل يريد أن يكون الحاكم

الثلاثاء 2016/04/19

بدت لي نهاية فيلم “غير قابل للانكسار” مدهشة. أثار الفيلم شهيتي للتصالح والتسامح والغفران، والسر الذي بدا لي أكثر إثارة هو النهاية الحقيقية للفيلم، فإن لم يدون المخرج تاريخ بطل الفيلم في نهاية المشاهد، لقلنا جميعا إن المخرج أراد بنظرته السينمائية أن تكون نهاية البطل سعيدة، كي يحظى بتصفيق المشاهدين، ولكن النهاية لم تكن من صناعة المخرج ولكنها كانت الحقيقة التي أراد بها “لوي” أن يكون عليها.

تدور الأحداث على خلفية الحرب العالمية الثانية، حيث يتحدى البطل الأولمبي وبطل الحرب، لويس زامبريني، الأسر واﻹهانة والتعذيب، في واحد من عدة معسكرات لأسرى الحرب في اليابان، وخلال أكثر من عامين من الأسر، يحصل لوي وزملاؤه المسجونون على الجوع بجانب اﻹهانات واﻹساءات النفسية والجسدية، في النهاية تمكن لوي من النجاة من الأسر بعد أن انتهت الحرب وعاد إلى منزله في جنوب كاليفورنيا، ولكنه ظل بعد الحرب يعاني من صراع رهيب استمر لأربعة أعوام من اعتقاله، ولكنه ظل على الدوام مدفوعا بإيمانه ورؤيته المذهلة بأن الطريق إلى الأمام ليس بالانتقام بل بالتسامح، وعاد إلى اليابان حيث قابل وسامح سجانيه السابقين، وأدرك حلمه أخيرا وجرى مجددا في الأولمبياد وهو في عمر الثمانين عاما.

عدد من القصص يحفل بها تاريخ الغرب تجعلك متعلقا بها رغما عنك، تستيقظ بداخلك طقوس الحب والاستعدادات المتبقية لديك للحياة، وتمسح بقايا الأتربة والأغبرة من عقلك وقلبك فتمنحك مخيلة ثرية، فهم مواطنو الغرب الدرس جيدا، وكانوا على استعداد كامل بعد الحرب للتصالح والتسامح، كي يبدأوا انطلاقة أخرى من جديد، ولهذا سيطروا على العالم بإبداعاتهم الفكرية والنهضوية، بينما نحن قابعون في تمجيد الملالي وأصحاب العمائم والصراخ والثورات التي ننتظر حتى الآن نتائجها. فالشعب العربي حتى الآن يريد أن يكون أقوى من حكومة دولته المنتخبة، على الرغم من أنه لا يعرف تحديدا ما الذي يريد، هل يريد أن يحفل بمجد الثورة وحرية الزعيق أم يريد الغطرسة العسكرية؟ وفي الحقيقة هناك خلل في الفكر العربي لم يتم إصلاح عطبه حتى الآن، وهو ما لمسته مؤخرا من حالة التوتر التي أصابت الشعب المصري، في ما يتعلق بترسيم الحدود بين مصر والسعودية، وانتقال تبعية جزيرتي تيران وصنافير من مصر الشقيقة إلى السعودية.

لم يكن أي من أفراد الشعب المصري يعرف قصة هاتين الجزيرتين، ولا أظن أحدا منهم قد سمع بهما من قبل، ولكن ولأن الشعب الذي قرر رئيسه أنور السادات أن يوقع بدلا منه معاهدة “كامب ديفيد”، وسعى من بعده حسني مبارك لأن يكتم أنفاس شعبه لثلاثين عاما، وجد فرصته في أن يكون لهُ رصيد أكبر في حشد المظاهرات وكتابة الاعتراضات، وتدوين التهم والصراخ عبر مختلف وسائل الإعلام، لكي يصل حتى إلى أن يكون لديه رأي في ترسيم حدود دولته، الشعب يمتلك الحق في أن يثور لأنه لا يجد قوت يومه، لا أن تكون لهُ السلطة في التدخل في ما ليس به علم.

ولكن من يُفهم الشعب المصري ذلك؟ من يستطيع أن يحتوي مشاعره الجياشة؟ من له الدور الأكبر في أن يقول له؛ أثبت وجودك ووطنيتك في أن تنهض بوطنك، كما فعلت اليابان أو ألمانيا حينما قامتا للوقوف بعد معارك خاسرة وطاحنة، من دون أن يتدخل شعباهما في كتابة وصياغة الحدود الدولية مع الدول الأخرى، بل اكتفتا بالنجاة من هلاك الحرب والعمل باستمرارية متناغمة من أجل الأجيال القادمة، فنهضتا بسرعة وألهمتا العالم بالنهضة الحضارية التي حققتاها.

العطش لمفهوم الحرية والنبوءة الخاطئة لمعنى الخريف العربي، جعلا من الشعب المصري يعتقد بأن له الحق في أن يتدخل في كل صغيرة وكبيرة يفترض أن تكون تحت سلطة الحاكم، ولكن الأمر بدا عكسيا فطالما انتخبناك رئيسا عليك أن تكون مثلما نريد نحن، ومن نحن؟ نحن 90 مليون نسمة عليك أن تأخذ برأينا في كل ما تقوم به. أي هراء هذا الذي لا يمكن أن يقبله العقل البشري، حتى وصل بهم الحال للمشاركة في عدد من المظاهرات والاحتجاجات في القاهرة والإسكندرية ضد قرار الرئيس، وما أدهشني حقا هو تهديد لواء سابق في الصاعقة للرئيس السيسي، هذا غير ما حفلت به البرامج في القنوات المصرية من تلميحات عنصرية واعتراضات بذيئة ضد منح السعودية الجزيرتين، إلى جانب البيانات التي لم تنقطع من بعض ضباط الجيش المصري معلنين رفضهم لما قام به السيسي. الكل في مصر بات يريد أن يكون الحاكم بأمره، الكل يريد أن يدون التاريخ القادم اسمه، الإعلامي والفنان والضابط والروائي وصاحب المكتبة وطبيب العيون وسيدة البيت والجزار وصاحب الدكان وبائع الطعمية والفول، الجميع، من دون استثناء، يجدون أن من أهم أولوياتهم في الحياة، أن يقودوا مركبة الدولة وليذهب الحاكم إلى الجحيم.

استيقظ الشعب المصري على نبأ الجزيرتين اللتين لم يعرفهما حتى في كتب الجغرافيا المدرسية، ووجدها فرصة لأن يطلق صوته بطريقته الخاصة، بينما لم يظهر أحد حتى الآن وقد استفاد من تجربة ميدان التحرير، ليصبح هو لوي العربي، الذي بات أكثر تسامحا حتى أمام سجانيه. في الحقيقة نحن بحاجة إلى إعداد جديد في تطبيقاتنا الداخلية والفكرية، فليست الهواتف النقالة فقط هي القادرة على التجديد والتطوير، بينما العقل العربي لا يستطيع أن يبني مجده من جديد كما فعل المصريون.

كاتبة سعودية

9