في مصر.. تحرش جنسي وإعلامي أيضا

لم تحلم الشابة سمية طارق يوما بأن تصبح أيقونة لتفجير الغضب الشعبي تجاه كل من يتجاوز بالقول أو الفعل حق المرأة المصرية، وأن تحظى بشعبية جارفة خلال ساعات قليلة تلت تعرضها لتحرش واعتداء بدني من شاب، عندما كانت تتجول في أحد الفضاءات التجارية بالقاهرة.
السبت 2015/10/31
مناهضة التحرش لا تشمل التحرش الجسدي فقط.. التحرش بالخصوصية أيضا

القاهرة - أظهر مقطع فيديو التقطته كاميرات مركز تجاري في مصر، ونشرته الفتاة المصرية سمية طارق على حسابها الشخصي في فيسبوك، تعرضها لاعتداء بدني بشكل وحشي من شاب حاول التحرش بها، لكن بعد تهديدها له بإبلاغ الأمن انهال عليها بالضرب، ما دفع أمن المركز إلى القبض عليه، ثم إطلاق سراحه بعد استعانته بمجموعة من أصدقائه الخارجين على القانون لتحريره.

ولم تستسلم سمية طارق، صاحبة الـ21 عاما أمام بلطجة المتحرش، وحررت محضرا بقسم الشرطة. ومع بطء رجال الأمن في القبض عليه، لجأت إلى الإعلام للضغط على وزارة الداخلية لتسريع ضبطه إلى أن ألقي عليه القبض في اليوم التالي لظهورها في حلقة تليفزيونية في برنامج “العاشرة مساء”، على فضائية دريم.

وعلى الرغم من نجاح برنامج تليفزيوني في الحصول على حقها، فوجئت الفتاة وغالبية المتعاطفين معها بمقدمة برنامج “صبايا الخير”، على فضائية النهار، تذيع صورا خاصة جدا للفتاة وهي ترتدي ملابس البحر برفقة شاب وصورا أخرى لها وهي تلهو مع عدد من الشباب.

وقالت مقدمة البرنامج ريهام سعيد “رفضت إذاعة باقي الصور الفاضحة لكن نشرت جزءا بسيطا منها، للتأكيد على أن الفتاة المعتدي عليها، سيئة الخلق”.

واتهمت الفتاة، فريق إعداد البرنامج بالحصول على الصور من هاتفها الشخصي، بعد أن حلّت ضيفة على البرنامج، وتركت هاتفها على الشاحن الكهربائي خارج الأستوديو إلى حين انتهاء الحلقة، بينما ردت المذيعة على ذلك لاحقا، بأن الصور وصلت إلى البرنامج من “مصادر خاصة”، لم تفصح عنها.

وقالت سمية طارق لـ”العرب”: أعيش أسوأ حالاتي، فقد تعرضت لفضيحة، ونادمة أشد الندم لأنني طالبت بحقي ومعاقبة المتهم بالاعتداء عليّ، وما قد يهوّن من وطأة الصدمة قليلا، أن الجميع يتعاطف معي الآن.

ولا تشعر سمية بطعم الانتصار بعد القبض على الشاب المعتدي عليها، لأن والدتها وأسرتها قررتا مقاطعتها، بسبب الصور الصادمة التي نشرها البرنامج، بعد أن شاهدوها برفقة شاب غريب على البحر.

وأضافت سمية “بعض الشخصيات العامة والجمعيات الحقوقية والإعلاميين، أعلنوا أنهم سيتواصلون مع والدتي وأخواتي لإثنائهم على مقاطعتي، وأملي أن تكلل جهودهم بالنجاح.. أعلم أن والدتي حزينة، لكن هذه الصور قديمة جدا، وعندما تحدثت إليها لأبرر موقفي نهرتني بشدة”.

وقالت الفتاة “إن كان ما حدث معي بداية لاستفاقة المجتمع ضد ما تتعرض له المرأة من تحرش وإيذاء، ومحاولة المتاجرة بها لأهداف غير سوية، فأنا فداء لكل نساء مصر، ولكن ما يعنيني الآن أن تتفهم أسرتي ما حدث”.

تضامن عدد كبير من منظمات حقوقية وشخصيات عامة، أعاد الاعتبار لفتاة تحرش بها شاب وخدشت حياءها إعلامية

وأطلقت النيابة العامة سراح الشاب المعتدي على سمية بكفالة قدرها مئة جنيه (نحو 12 دولارا)، بعد تقديمه شهادة طبية تثبت أنه يعالج من مرض الصرع.

ولم يحظ ذلك الخبر باهتمام المتعاطفين مع الفتاة، حيث دشنوا حملة لمحاكمة مذيعة البرنامج، اشترك في تأسيسها على فيسبوك 152 ألف شخص في اليوم الأول فقط، بينهم سياسيون وإعلاميون وقانونيون وفنانون وشخصيات عامة.

وتطوعت مجموعة من المحاميات للدفاع عن حق الفتاة ومقاضاة البرنامج جنائيا على تشويه صورتها أمام المجتمع وتهديد مستقبلها التعليمي والاجتماعي.

كما سارعت المنظمات الحقوقية المعنية بشؤون المرأة للتنديد بواقعة الاعتداء على سمية، وإيذائها إعلاميا بانتهاك خصوصيتها، وأعلنت مساندتها لها في أي إجراء تتخذه للحفاظ على حقها.

وقالت بثينة عيد، أستاذ علم النفس والاجتماع لـ”العرب”، إن الكارثة في ما حدث مع الفتاة، هي أن أي امرأة قد تتعرض للتحرش والاعتداء مستقبلا، ستتكتم على ما حدث لها خوفا من الفضيحة والتشهير بها، معتبرة أن سمية شجاعة للغاية لأنها سلكت الطريق الصحيح للحصول على حقها من المعتدي.

وأضافت “في نفس الوقت، أظهر التعاطف الشعبي غير المسبوق مع هذه الفتاة، أن المجتمع المصري بدأ يراجع نفسه، وأن قلة فقط هي من تنظر إلى المرأة نظرة سلبية”.

واعتبرت أن محاولة تشويه صورة الفتاة بنشر صور سيئة لها، يعطي الشرعية لأي شخص أن يعتدي على المرأة، من منطلق أنها غير سوية، وتستحق ذلك، واصفة ذلك بـ”الطامة الكبري”، خاصة عندما يكون الترويج لذلك بشكل غير مباشر من وسيلة إعلامية.

وقررت حملة “اهتمي بأنوثتك” تشكيل وفد نسائي لزيارة منزل الفتاة، وعقد مصالحة بينها وأسرتها، وإعلان ذلك أمام الرأي العام.

السيد شحاتة، أستاذ الإعلام والمتخصص في الإذاعة والتليفزيون، اعتبر أن انتهاك خصوصية فتاة تعرضت لتحرش وإيذاء بدني، جريمة أكبر من جريمة التحرش، خاصة عندما يكون ذلك بدافع إظهار المجني عليها في صورة متهمة بانحراف أخلاقي، رغم أنها رفضت الانحراف وسعت للحصول على حقها من المنحرف والمتحرش بالقانون.

وأضاف لـ”العرب” أن ما يخفف من وطأة الجريمة أن غالبية الإعلاميين ينبذون هذا الفعل بأقسى العبارات، بل ويخصصون جزءا كبيرا من برامجهم وكتاباتهم لانتقاد ما حدث، باعتباره كارثة مهنية وإعلامية وأخلاقية تستوجب المساءلة.

جدير بالذكر أن القانون المصري يجرّم التحرش، حتى لو كان باللفظ، ويتعرض المتحرش لعقوبة لا تقل عن ثلاث سنوات، إضافة إلى تجريم القانون لانتهاك خصوصية الأفراد، بإذاعة أو نشر أشياء تلحق الأذى بأصحابها، إضافة إلى أن الدستور الحالي يحصّن الحياة الشخصية للمواطنين ويحظر المساس بها أو تكديرها.

21