في معنى الحزب الوسطي الوطني الشعبي.. نداء تونس نموذجا

الخميس 2017/07/20

تأسّست حركة نداء تونس في اللحظة التاريخية “الصح” وعلى يدي الرجل “الصح”، وليست ظاهرة اللقاء بين “اللحظة الصح” و“الرجل الصح” ظاهرة شائعة في مسارات التاريخ، بل هي ظاهرة استثنائية تحدث في حين ولا تعاود الظهور إلا بعد الانتهاء من مرحلة والتأسيس لمرحلة جديدة.

كانت قوة الزعيم الحبيب بورقيبة تكمن في مواهب كثيرة من أهمها ولعه بالتاريخ، وفهمه العميق لقواعده وجدليته، وأرى أن تلميذه النجيب الباجي قائد السبسي من ذات طينته في فهمه للتاريخ وقدرته على إدراك لحظاته الحاسمة حيث يتوجب اتخاذ القرارات اللازمة، خلافا للبعض الذي توهم وجود لحظة تاريخية مناسبة رغم أنه لم تمر على هذه اللحظة إلا سنوات قليلة مضت، تماما كما توهم أن بمقدوره تمثل الزعيم بورقيبة أو الرئيس الباجي رغم أنه لم يظهر على الساحة السياسية إلا قبل أقل من خمس سنوات، وطريق الوهم هذا عادة ما يودي بأصحابه إلى الهاوية مهما كانت موهبتهم القيادية أو حذلقتهم اللغوية والسياسية.

انطلق كثير ممن اشتغل بشأن حركة نداء تونس من قياسات ومقدمات خاطئة تماما، لهذا وصل بالضرورة إلى نتائج واستنتاجات خاطئة أيضا، ومن ذلك قياسهم حركة نداء تونس مثلا على حزب التكتل، والحال أن ثمة أكثر من فرق جوهري لعل أهمها ثلاثة: أولها أن نداء تونس هو الحزب الأول القائد للائتلافات وهو وضع مختلف عن التكتل الذي كان تابعا لا متبوعا، وثانيا أن النداء رغم حداثته التنظيمية الحزب الأعرق في البلاد من جهة المرجعية الفكرية والسياسية، وثالثا أن الزعيم المؤسس لنداء تونس هو تلميذ للزعيم بورقيبة أخذ عنه واشتغل مساعدا له ووزيرا في حكوماته منذ الستينات وكان من أسبق المطالبين بالإصلاح السياسي.

الحسابات الخاطئة التي أجراها بعض رفاقنا وإخواننا في قيادة الحركة سابقا، والأوهام التي ساهمت في تضييعهم البوصلة، هي التي وقفت وراء اعتقاد البعض منهم أن المركب سيغرق

كما انطلق آخرون من أن خروج الرئيس المؤسس من رئاسة الحركة إلى رئاسة الجمهورية هو خروج “قطيعي” (من قطيعة) لا مجرد خروج بروتوكولي اقتضته وظيفة رئيس الجمهورية، فانطلقوا بناء على ذلك في حملات “وراثة” محمومة رافعين كلمة حق أريد بها باطل هي الحرب على “التوريث”، مدفوعين بطموح شخصي جارف وغير مبرّر لملء الفراغ الذي تركه الرجل دون التوفر على الخصائص والمهارات الكافية، وعلى الرغم من أن الطموح مفهوم إلا أن خيطا رفيعا يفصل بين الطموح وتورم الأنا أو عبادة الذات التي تجعل العمل المشترك والقيادة الجماعية مستحيلة، والمفاجأة المزدوجة التي لم ينتظرها هؤلاء لكنهم خلصوا إليها على الأقل بفضل عمليات سبر الآراء المتواترة، أنهم فشلوا في إخضاع النداء على مستوى القيادة لبديل عن رئيسه المؤسس وهو ما يزال حيّا يملأ الدنيا ويشغل النَاس ويمارس قيادته الرمزية والتوجيهية لحركته وللبلاد، وأنهم اكتشفوا بعد الخروج من النداء أنهم صنيعة له وأن حجمهم الحقيقي الشخصي ضئيل في الواقع مخالف للانطباع الذي يحملونه عن أنفسهم، وقد كان للقواعد الندائية دور في صناعة هذا الانطباع الخاطئ لدى هؤلاء.

أعود فأقول إن الحسابات الخاطئة التي أجراها بعض رفاقنا وإخواننا في قيادة الحركة سابقا، والأوهام التي ساهمت في تضييعهم البوصلة، هي التي وقفت وراء اعتقاد البعض منهم أن المركب سيغرق فقالوا دعونا نفر منه قبل الغريق، أو أن الحزب انتهى وانهار فدعونا نساهم في الإجهاز عليه وبناء بديل له، فيما راهن البعض على أن يسخّروا وسائل الدولة لتجاوز الحركة والسعي إلى إقناع رئيس الحكومة بأن يكون ناظم مشروع سياسي جديد لو لم يفطن إلى حيلتهم ويستنكف من مسايرتهم في التآمر.

والخلاصة أن كل هؤلاء سيصطدمون بالحقيقة المرة، مرة بعد مرة، وكلما نشر استطلاع رأي أو سبر آراء من أن النداء صامد مازال يحظى بثقة الشعب على الرغم من كل ما يقال عنه ويكتب في شأنه، بل إِنَّنِي أزعم أن العكس هو ما حصل، فكلما نهشت هذه النخبة في جسم الحركة التي جعلت منهم أسماء تذكر، كلما زاد تعاطف الشعب مع النداء وزاد احتقاره لهؤلاء الذين ينظر إليهم باعتبارهم خونة الملح والماء.

كنت أقول دائما، وسأستمر في القول إن الكثير من “اللاندائيين” كانوا داخل النداء بل في أعلى هرمه تحديدا، فيما كان الكثير من “الندائيين” خارج النداء يعانون التجاهل والإقصاء، تماما كما كنت أشعر بأن جسم النداء تحمل بمعجزة وجود رأس مزروع فيه لا يحمل ذات ملامحه ولا يعمل معه بالانسجام التام. التحق الكثير من قادة النداء السابقين بالحركة من باب مغالبة خصم أيديولوجي، معتقدين خطأ أو متجاهلين حقيقة النداء من أنه نسخة جديدة معاصرة من الحركة الوطنية الإصلاحية الدستورية، وليس “حزبا يسراويِا حداثويا” كبيرا مثلما أراد البعض.

أدرك العقل الجماعي الشعبي التونسي هذه الحقائق، بفطرته وفطنته التي اكتسبها عبر تعاقب الثقافات والحضارات، ولم يساير رفاقنا وإخواننا السابقين في أحلامهم وطموحاتهم المبالغ فيها، ورفض هذا العقل التجاوب مع الخطابات “الشعبوية” مهما عزفت على آلام المواطنين بسبب الأزمة المعيشية والتنموية، وسيختار دائما تجديد الثقة في النداء أولا كمؤتمن على الحكم، ولأنه حزب وسطي معتدل يعالج قضايا البلاد في ارتباط بمصالح تونس العليا أولا وضمن الإمكانات التي توفّرها شروط الواقع المعقد والصعب، وباعتباره حزب الرئيس الباجي قائد السبسي عنصر الاستقرار الأساسي في هذا البحر السياسي المتلاطم الأمواج.

وزير سابق، مدير مركز نداء تونس للدراسات

9