في مقهى باريسي قديم

الأحد 2016/06/12

كنا نلتقي في مقهى مادريغال القديمة قبل تغيير ديكوراتها وإدخال صخب الموسيقى فيها، ولم يكن أي لقاء مع المفكر الراحل الصديق مطاع صفدي الذي زرنا بغداد سوية في مناسبات عديدة، خاليًا من إثارة قضية من قضايا العرب الساخنة.

قلت له: أترى يا أستاذ مطاع كيف قضى صخب الموسيقى على نقاشاتنا؟

كان يجيب بهدوء: أليست تلك سنة الحياة، كل شيء يمضي في صالح الشباب وخاصة الموسيقى وديكورات المقهى وغيرها. أجل. لقد ذهبت الجدران المكسوّة بخشب الصاج البني الغامق.

في آخر مرة التقيت بها الراحل مطاع صفدي كان بصحبة الكاتبة حميدة نعنع. ودارت أحاديثنا عن محو العراق وتغيير خارطة الشرق الأوسط، وتحويله إلى شرق أوسط جديد.

وكان قلقًا مما يحدث في العراق بعد سنوات قليلة من الاحتلال الأميركي، وأجاب باقتضاب “إن القادم أعظم في السياسات الطائفية”.

والحق يُقال إن هذا الرجل لم يترك ميدانًا عربيًا إلا وفكّر فيه، محاولاً رغم الصعوبات أن يرتقي بالفكر العربي إلى مستوى الفلسفة، مُطعمًا ذلك بالفكر الفرنسي ورواده من أمثال جيل دولوز وميشيل فوكو وآخرين. كان الفلاسفة الذين يجذبون فكره هم الفلاسفة الذين حللوا آليات السلطة، وخاصة هؤلاء الذين يؤثّرون في مجرى السياسة في بلدانهم، وإلا ما نفع الفلسفة. سارتر عندما انتفض مع ثورة الطلبة تغيّرت كل المفاهيم السياسية في فرنسا، بل أدركت السلطة أن الفلسفة يمكن أن تكون سلاحًا بيد الجماهير. هكذا كان يريد الراحل أن يجعل من الفلسفة العربية متحركة، نابضة بالحياة، ومتفاعلة مع حيوات الناس وتطلعاتهم. كان يريد أن يجعل الفلسفة العربية أكثر ثورية وارتباطًا مع مسار المجتمع ومصير الأفراد. وكان ينبّه إلى أن العرب يفتقدون إلى نظام معرفي متناسق أي بنية العقل العربي.

إنه لا يريد أن تكون الفلسفة العربية مجرد شروحات لمفاهيم وكتب قديمة. كان يكرّر ذلك. وعندما تحمّس لنشر كتاب الصديق المفكر العراقي علاء طاهر عن “مدرسة فرانكفورت”، لأنه اعتبر أن ظهور الحركات الفلسفية من شأنه أن يدفع بالفكر العربي نحو التفكير على هذا النمط. وكانت مجلة “الفكر العربي المعاصر” عن مركز الإنماء العربي ببيروت، منصّة لتلك الأفكار التي دامت لثلاثة عقود متتالية، وكذلك نشر مقالاته المبسطة في صحيفة “القدس العربي”، مركزًا على ضرورة التلاقح بين الفكر العربي والفكر الغربي. وكانت تلك المنصّة رائدة في جذب أقلام الفلاسفة العرب الشباب الذين وضع كامل ثقته فيهم. كان يرى في ذلك التلاقح أمل الأمة العربية في شقّ طريق المستقبل نحو بلورة مفاهيم خاصة بها. إن كتابة المفاهيم هي على الضد من الكتابة البلاغية كما كان يؤمن المفكر الراحل مطاع صفدي، وهذا يعني أن لا قائمة تقوم للفلسفة العربية دون هذا الانتقال الجذري من ضفة سكونية إلى ضفة متحركّة إن صّح التعبير.

ولعل مطاع صفدي له مشروعية الحديث عن الفلسفة العربية والغربية في آن لأنه عاصر الاثنين، وخاصة حياته في باريس إذ رافق تحوّلات فلسفة سارتر حيث عشنا منذ 1977 في باريس، وهو يتابع هذا الفكر، ثم عاصر البنيوية التي انتشرت تأثيراتها في الحياة الفرنسية وأصبحت أسلوب حياة في جميع المجالات، وبعد ذلك عاصر فوكو ودولوز ودريدا وما بعدهم. هذا هو عصر الفكر الذي رافقه المفكر الراحل مطاع صفدي وكان يشّجع المترجمين العرب الشباب على أن يترجموا من هذا الفكر لكي يحقق مبدأ التلاحق الذي كان ينشده.

وكل ذلك لم يمنعه من تأصيل الفكر العربي والبحث عن جذوره في حياتنا وخاصة الدينية. ولعل الملف الخاص الذي قدمه في أحد أعداد مجلته هو “مفهوم الدين بين الفكر والتدين”، ومقالته الشهيرة “مفهوم الفرد ضد الإنسان نحو استراتيجية جيوفلسفية”، قدم خلالها علاقة الفرد بالمجتمع، وكيف يتم إنكار الفرد في التاريخ والأنثروبولوجيا. وفي أعداد أخرى، سعى إلى تركيز التفكير حول هذا الفرد كما في مقالته “لماذا لا نفكر فلسفيًا: نحو استراتيجية جيوفلسفية”.

كاتب من العراق

13