في مكان ما من أفغانستان، عتيق رحيمي ينتقم لشهرزاد

الأحد 2014/05/18
رواية عتيق رحيمي"حجر الصبر" بحث عميق في العلاقة الفادحة بين المرأة والرجل في مجتمع يقوم على الانتهاك

عبر لُغَةٍ مُقطّرة لحدّ الزُّهْد في الزُّخْرفِ، ترتبطُ دلالتها بمدلولاتها، ومشاهد مختزلة لحد التكثيف، معتمدة على رمزية الصّورة البصرية وحركيّتها، مُستقاة من مفردات السّينما التي يعمل بها المؤلف، يقدِّم لنا الكاتب الأفغاني عتيق رحيمي (ولد في 1962) روايته «حَجر الصَّبر» (دار الساقي ـــ ترجمة صالح الأشمر) المكتوبة باللغة الفرنسية -على عكس سابقتيها (أرض ورماد، وألف منزل للحُلم والرعب)، والحاصلة على جائزة الخونكر الفرنسيّة- مأساة الواقع الأفغانيّ في ظل طالبان، حيث يركّز في نصه على مأساة امرأة كانت ضحيّة لرجل اشتركَ في الحرب العبثيّة على حدّ وصفها، وخَسِرَ الحَربَ وذاته وأفقدهم قبلها مصيرهم بعدما تنكّرت عائلته لها ولأبنائه بعد الفجيعة.


غرفة كابول


يبدأ السّارد سرده بتسليط عدسة كاميراته على ملامح غرفة بائسة في أحد أحياء مدينة كابول الأفغانية الفقيرة ومحتوياتها «جوُّها خانق على الرغم مِن جدرانها المطليّة بلون فاتح، أزرق مخضرّ، وستارتيها المزينتيْن بتصاوير طيور مهاجرة… تتخلّلها ثقوب متفرّقة تنفذُ منها أشعةُ الشّمسِ»، تتجوّل الكاميرا في المكان بغرض تقديم رؤية بانورامية للمكان الوحيد الذي تدور فيه الأحداث فيعرض لصورتيْن للرَّجُل النائم على فراشه عبر حاليْن مختلفيْن؛ يبدو في الصُّورة الأولى شابًا في الثلاثين من عمره كثّ الشّارب، بملامح صارمةٍ، أما في الصُّورة الثانية فهو ملتحٍ غَزَا الشَّيب لحيته وَنَحَلَ جسمه كثيرًا، والمقارنة بين الصّورتين في حدِّ ذاتها تكشف عن فداحة ما آل إليه مصير هؤلاء الذين اشتركوا في الحرب.

داخل إطار المشهد المرسوم بعناية تجلسُ امرأةٌ هي زوجةُ الرَّجلِ، تجترُّ عذاباتها على وَقْعِ أصواتِ المَدافعِ التي تأتي إليها مِن الخارج، تحكي وبالأدق «تبوح» لزوجها القعيد مِن جرَّاء طلقة رصاصة في عنقه، أفقدته القدرة على النُّطق والحركة. ومِن حالة الزوج القعيد وقيام المرأة بدورها في تطبيبه تبدأ الحكاية الثانية في التداخّل حيث ثمّة حكايتان: الأولى التي يرويها عبر مشاهد وصفيّة السَّارد الغائب بعين كاميراته، والثانية ترويها الزوجة مجهولة الاسم تجترّ فيها مأساتها ومأساة أُخْريات (أختها الصغرى، وعمتها) حيث وقعن ضحيّة بطريركيّة ذكورية مارست قمعها، ومع الأسف تمثّلت هذه الذكورية في الأب الذي كان مُقامرًا، خَسر ماله في الرهانات الخاسرة، وباع ابنته الصغرى في واحدة من إخْفَاقاته المتواليّة، وكذلك في زوجها الذي رَاهَن على حربٍ عبثيّةٍ مجنونةٍ باسم الرب، ضدّ أعداء وهميين، ومع هذا صار حَجرَ صَبْرها وفق الميثولوجيا الأفغانية التي تشيرُ إلى الحجر الذي تجترُّ عنده النّسوة آلامهن، وسيخلِّصُها من عذاباتها وآلامها وما بين المرأتيْن كان وجه طالبان حاضرًا ببشاعته وَصَلَفِهِ.


جسد أنثوي


تعتمد بنيةُ الرّوايةِ على الوصفِ الذي كان فاعلاً في تصوير أجواء الحرب الخارجية عبر وقع المدافع والانفجارات «من مكان بعيد ما في المدينة، يُسمع دويّ انفجار قنبلة، انفجار عنيف لعله دمّر بعض المنازل، وبعض الأحلام»، وداخليًّا من خلاله غاص السّارد في نفسية المرأة المقهورة التي تُعاني الوحدة والفقر وفوقهما الإهمال الجسدي، فيأتي رصد السّارد لأفعالها وتتبعه لما تقوم به مع هذا الزوج القعيد، ثمّ مراقبتها لما يحيط بها مِن قدوم السّقا والمحبّ الذي يُنادي على محبوبته ووَعْظ المُلا، وتتبعُ حبّات مسبحتها أثناء التّسبيح، لذو دلالة قوية على الحالة النّفسيّة التي تعيشها هذه المرأة، وهو ما ظهر في خطابها له «لا تتركني وحيدة، فَكِّر في ابنتيك! ماذا سأفعل معهما؟ إنهما صغيرتان جدًا؟» .

يُهيئ الكاتب ـ منذ عتبات النص الأولى ـ أُفق القارئ لتلك الانتهاكات التي مُورست على الجسد الأنثوي وفق أيديولوجيات مختلفة فيهدي نصه إلى الشَّاعرة «ناديا أوجلان» التي قُتلت على يد زوجها عام 2005، ثم يُصدِّرُ النّص بمقتطف من أنطونين أرْتو «مِن الجَسَدِ وإِلى الجَسَدِ وَمَعَ الجَسدِ مُنْذُ الجَسَدِ وحتّى الجَسد» كما أنّه يشير في بداية الفصل كعنوان فرعي بهذه الجملة « في مكان ما من أفغانستان أو أيّ مكانٍ آخر» ومع هذا إلا أنه ببراعة وبتغييب أسماء الشَّخصيات تجاوز بنصه المكان والأشخاص، كما تجاوز قضية الشَّاعرة المقتولة إلى ما هو أبعد منها، إلى أيّ مكانٍ حيث يقبعُ الفِكْر المُتَزمِّت.

"حجم الصبر".. حالة القهر لجسد الأنثى


رجل وامرأة


يعرضُ الكاتب دون إسهابٍ للمآل الأفغانيّ إبان حُكم طالبان حيث الحرب الدائِرة والخاسرة، وحالة القهر لجسد الأنثى وكأنّ طالبان أصلحت العالم ولم يتبقَ إلا الجسد المعوّج ومِن ثمّة تأتي الدلالة للمقتطف الذي في بداية النَّص، كما يتحدَّثُ عن الواقع الاجتماعيّ، ويرصدُ للعادات الأفغانيّة في الزواج، وأيضًا للصّراع السِّيَاسِيّ بين الأطياف المختلِفَة ونتيجته التي كان أثرها واضحًا في تلك الصُّورة التي سجَّلها للمجتمع الأفغانيّ.

العجيب أن الكاتبَ دون قصدٍ منه، رغم أنّه ضدّ الذكورية التي انتهت على مستوى الواقع بقتل الشّاعرة وعلى مستوى النّص، بجنون العمّة وحالة شبه الجنون التي تعيشها السَّاردة الأنا، يكاد يُكرِّس لهذه الذكورية عبر محاولات المرأة الدُّعَاء للرَّجل بأنْ يبقىَ حيًّا لاحتياجها له كونيسٍ أو تردّد ثقافة ترى في الرَّجُل الظِّل حتى ولو كان عاجزًا أو قعيدًا أو أشبه بالميت، رغم ما تعانيه وهو مريض من قهر معنوي مارسه المُلا إمام الجامع بتوبيخها، أو بانتهاك جسدي من زملاء رفقته عند اقتحامهم للبيت. الشّيء الوحيد الذي يكادُ يكون انتصارًا للمرأة، هو صورة الرّجُل مقابل صورة المرأة، فتأتي صورته مشوّهة؛ فهو عاجِزٌ قعيدٌ (الزوج) أو خَاسِرٌ (الأب) أو خَائِنٌ (المُلا ورجال طالبان). أما الأنثى فصورتها مناقضة له، فمع ما حَاقَ بها إلا أنها تقف تواجه مصيرها بِجَلَدٍ (ذات السَّاردة / العمّة)، بل إنِّ الحكاية الفرعيّة التي ترويها المرأة لابنتها عن قصّة الملكِ الذي لا يريدُ أن تكونَ له بِنْتٌ، لذات دلالة قويّة خاصّة في نهايتها على انتصار المرأة ضدّ الذكوريّة الفجّة، وقد يأتي الانتصار لها كترديد أقوال هي أشبه بالأمثولات على نحو قول العمّة «أحيانًا يتولّد لديّ الانطباع أنّ مِن أشق الأمور أن يكون الإنسان رجلاً»، أو من قبيل «فالرِّجالُ الذين يلجأون إلى القِتالِ، لا يعرفون كيف يُمَارِسُون الحبّ»، أو تنتصرُ لها بالفعل عبر قيام المرأة بواجبها تجاه زوجها؛ فتقرأ له القرآن وتتلو الأدعية طلبًا لشفائه، وتطبيبها له رغم حرمانها العاطفي وما عانته منه، أثناء انشغاله عنها بالحرب، لتكتشف لاحقاً أنّه عقيمٌ وَجِلْفٌ ومُتوحِشٌ.


امتهان الدعارة


تأتي حكاية المرأة مرويّة بضمير الأنا حيث تقدّم المرأة مأساتها في سياق أشبه بمنولوج ذاتي طويل مفتوح عن حياتها، وإخفاقات الزّوج معها لمتلقّ هو الزوج المسجّى على سريره ولا يحسُّ بشيءٍ، فتبوح عن عذابات جسدها وأشواقه ورغباته، غير عابئة بالمحظورات، عن الأبناء الذين أنجبتهم خوفًا مِن تصميم أم زوجها على تزويجه وطردها، وعن لحظات الحبّ المسروقة، حتى تشفي جسدها بالحب المحرّم كما أوصتها بائعة الهوى، وعن قهر أختها بتزويجها ممن هو أكبر منها، والأهمّ هو خيانتها، وإن كانت تحيل إلى عوامل اجتماعيّة وأنساقٍ تحتكم لمنطق الذكورية وتحيل إلى كل ما هو نقيصٍ ونقيضٍ للمرأة. أما السّارد للحكاية المتوازية فيأتي بالضمير الغائب، وهو ما أعطاه مساحة للتجوّل والرصد.

ينحو كلّ شيءٍ في الرواية إلى التقشُّف بدءًا من أحداثها ولغتها وكذلك شخصياتها التي لا تتعدّى الأب والزوج القعيد والمُلا والعمّة. شخصيات الرواية رغم قلتها إلا أنها تبدو كأنّها شخصيّة نمط بِدْءًا من الساردة التي تحكي قصتها وفجيعتها مع الذكورية، وكذلك عمتها التي تحتضنها في مأساتها وما حَاقَ بها بعدما اغتصبها والد زوجها وما إنْ ضجرت منه قتلته، ولكن وِفْقًا لنسق القيمِ الذي يرى في المرأة خطيئةً، تبرَّأ منها وقادها إلى الرَّذِيلَةِ لحماية شرف العائلة فامْتَهَنَت الدعارة لتتقوّت منها، وبطريقة أوبأخرى قادَ النّسق البطلة إلى الغواية والانحراف من أجل الإنجاب. كما تصبح شخصية الزوج القعيد بمثابة الشّخصية المحفزّة والمحركة للسَّرد إلى الأمام حيث دفعت وضعيته المُسْتَسْلِمَة والمُسْتَقْبِلَة للحكاية الثانيّة التي ترويها لتداعي المونولوجات الكاشفة.


لحمي ودمكم


على الرغم مِن قِصر الرواية حيث لا تتجاوز الـ 117 صفحة من القطع المتوسط إلا أنّها تَحْمِلُ عبر لغتها الدّالة والموحية الكثير من الرموز التي تتوَزّع على مقاطع الرّوايّة بأثرها فالرّجُل القعيدُ الصَّامِتُ إلا من أنفاس الشّهيق والزفير، يحيل إلى الوطن الذي صَار قرينه في الغيبوبة بسبب الحرب العبثية، وما بين الحكايتيْن المرويّة على لسان الرّاوي الغائب والرّاوية الأنا، ثمّة حكاية أخرى عن الحياة التي لم نعشها وتقبع في مكان آخر كما رأت المرأة عندما صارت بائعة هوى، فالشّبَع الجنسيّ لم تدركه مِن هذا الرّجُل الذي تجلسُ تحت قدمية تطبّبه، وإنما من الجندي الشّاب الذي أوصلته رسالة أنّها بائعة هوى كي تعيشَ، و الأبناء لم تحصل عليهم مِن زوجها وإنما حصلت عليهم بناءً على وصيّة بائعة الهوى وفي كلتا الحالتيْن لكي تعيش، فالأولى كان الكذبُ للنجاة مِن الموت، وفي الثّانيّة كان الكذبُ لديمومة الحياة مع الزوج، كما ثمّة سخرية مِن المرأة ممّا حولها بدءًا مِن زوجها الذي لم يُفرّق بين دم الحيض ودم البكارة، ومِن المُلا، ومِن المحاربين الذين تفرّقوا بسبب السُّلْطة والمطامع، ومثالها زوجها الذي لم يُصَبْ برَصاص العدو وإنما جاءته من معسكر الصّديق ربما بسبب شجار شخصي مع أحد المقاتلين مِن رفاقه، على سرقة ما أو غنيمة أو امرأة أو أي أمر آخر لا علاقة له بالبطولة وسخريتها مِن رجل طالبان الذي يريدها لنفسه فتواجهه بحقيقته «أبيع لحمي كما تبيعون دمكم» ومن نفسها التي كذبتْ لتواصل الحياة لهذا كانت النهاية المأساوية حتى تقطع ديمومة الأكذوبة التي تكون شماعة نستخدمها في حياتنا.

13