في منظومات التخلف

لدى سائر العرب رزمة من النعرات بعناوين عديدة في سياقات ناجمة عن تردي الثقافة وتفشي الإحباط وانعدام التنمية ضمانة التشارك.
الأحد 2021/05/30
نعرات يشبه بعضها بعضاً

قبل يومين رُقّي باسم، أصغر أشقائي، إلى درجة بروفيسور في الصيدلة في جامعة إماراتية مشهودٍ لها بعلو المستوى. كان باسم قد درس في ألمانيا، وعاد منها إلى غزة يحمل شهادة الدكتوراه مدركاً أن فرصة العمل متوفرة. لكن الفرصة أخطأته؟ فالممسكون بالوظائف في غزة يتضامنون مع أنفسهم، ويتوحد وجدانهم في الحروب، ثم يعودون في أوقات التهدئة إلى النعرات التي يتسم بها العرب مشرقاً ومغرباً. ففي دنيا العرب هناك رزمة سميكة من نعرات كأصابع الديناميت. فإن خلا بلد من الطوائف، يلوذ النعراتيون إلى التنوع العشائري فيصنعون له حساسيات مفتعلة سرعان ما تتفشى في المجتمع. ولزيادة القبح قبحاً، كثيراً ما يُستعان بالجغرافيا لاختراع نعرات أخرى جهوية.

ولعل أطرف النعرات الجغرافية تلك التي في غزة الضيقة. هنالك شبه وادٍ، غير ذي زرعٍ، يقع جنوب مدينة غزة، ليست له وظيفة سوى تصريف مياه الأمطار التي تهطل على النقب وتلوثها إسرائيل لكي تذهب إلى البحر. وإن لم يكن الشتاء ماطراً يظل الوادي جافاً. لكن النعراتيين حرصوا على تعيين الفارق بين شمال وجنوب، علماً بأن مجمل طول الشريط الساحلي 40 كيلومتراً.

وكانت الاستفادة من التضاريس، إضافة إلى النعرات الراسخة في فلسطين، والأساس فيها النعرة حيال غزة، وهذه طبقتها سلطة رام الله في السياسة والعمل الوظيفي. أما سائر العرب، فلديهم رزمة من النعرات بعناوين عديدة في سياقات ناجمة عن تردي الثقافة، وتفشي الإحباط، وانعدام التنمية ضمانة التشارك. هي نعرات يشبه بعضها بعضاً، مشرقاً ومغربا، ومن بينها ما يختص بفوارق محلية موهومة، لا تعللها الأنثروبولوجيا.

وقد استُخدم الدين لتعليل التباغض الذي يثابر عليه شيوخ معممون يوفرون له الغطاء النظري. وهذا كله لا يُفسر بكونه مؤامرة إمبريالية مثلما يجري في مألوف التعليلات. فهو نتاج التخلف وشُح السياسة مع شُح الفرص والتزاحم عليها وانفلات الغرائز.

ففي بعض المشرق العربي هناك أناس، ومنهم معممون في إهاب فقهاء، دخلوا بإرادتهم إلى أجواء كربلائية لكي يَفترض فريق أن الفريق الآخر هو الامتداد الطبيعي ليزيد بن معاوية، ليرد الفريق الثاني بالافتراض أن الأول يدبر انقلاباً على أبي بكرٍ وعمر وعثمان.

ويتولى الفقهاء الرديئون تخليق الشروحات المساعدة على تأجيج السجال، لكي ينعكس تشتتاً في السياسة، وتغاضياً عن أهداف الأمة وعن مظلوميات مظلوميها.

على الرغم من ذلك، لم يكن هناك أطرف من نعرات غزة التي يضعها الغزيون جانباً كلما اندلعت الحرب. فعندما عاد شقيقي إلى بلاده لكي يعمل ويخدم شعبه، سُدت في وجهه الأبواب، ولم يعرف تفسيراً لسبب الانسداد. كانت هناك كتلة صلبة من هيئة التدريس في الجامعة لا تريد “غريباً” بينها. ربما كان الأمر يتعلق بالفرص، أو بالشمال والجنوب، أو بشرق السكة أو غرب السكة، أو ببلد الدراسة ومستواه الكاسح، لاسيما وأن جمعيات شبه نقابية تنشأ لكي تؤسس أطراً على أساس بلدان التخرج الجامعي!

عندما ناقش شقيقي باسم أطروحة الدكتوراه في جامعة برلين كنت معه هناك، وجلست بجوار البروفيسور شوناك الذي يلقبونه “أب الصيدلة” في ألمانيا. قال لي الرجل إن هذا الشاب هو أصغر المتخرجين سناً بدرجة الدكتوراه منذ تأسيس الجامعة في العام 1956. شعرت أن الألماني يعتز به ولا يغمطه حقه. وبالفعل ابتعثته الجامعة بعد أن عاد من غزة للعمل في الإمارات، وارتاح شقيقي من نعرات شمال الوادي وجنوب الوادي، وهكذا حدث مع نابغين عرب كُثر لفظتهم بلدانهم!

24