في مواجهة كورونا.. هل لدينا ما نفعله سوى الصلاة؟

إن كانت دعوة دونالد ترامب للانضمام إليه في الصلاة إلى الله لرفع البلاء، صادقة، فإن دعوة ميركل أكثر واقعية وأبعد عن التشاؤم، ببساطة هي دعوة تذكرنا بضرورة ألا نلقي بأنفسنا إلى التهلكة.
الاثنين 2020/03/16
ترامب يدعو الصلاة من أجل رفع بلاء

في عام، يصعب عليّ تذكره بدقة، وهذا لا علاقة له بالشيخوخة، على الأقل حتى الآن، قرأت كتابا يدور حول الاقتصاد الأفريقي، ما شدّني إليه هو المقدمة، وفيها ذكر الكاتب كيف أن الفلاح في دول أفريقية تستخدم كل مظاهر التكنولوجيا الحديثة، يرفع يديه إلى السماء، ليس فقط طلبا للغيث، بل سائلا الله أن يحصل ابنه على فرصة لإكمال تعليمه الجامعي في بلد أوروبي، تسهّلُ له دراسة العلوم الزراعية والحصول على وظيفة مرموقة في ما بعد.

لا شيء غريبا في ذلك، لدى شعوب أفريقيا ألف سبب لطلب العون والرحمة من الله؛ فهم يفتقرون إلى اقتصاد قوي يمنحهم الشعور بالأمان، وحكومات يمكن الوثوق بقدراتها على الوصول إلى حلول لأزمات يواجهونها من حين لآخر.

في مواجهة الأزمات، كانت الشعوب حتى عصور قريبة نسبيا، تستنجد بالآلهة وتحاول إرضاءها لإبعاد البلاء الذي حل بها، وكان الأمر يصل أحيانا إلى تقديم قرابين بشرية.

الغريب أن يلجأ رئيس أقوى اقتصاد في العالم، وأقوى ترسانة سلاح ومؤسسات علمية، لطلب العون من السماء سائلا مواطنيه في الولايات المتحدة، أن يشاركوه الصلاة من أجل رفع بلاء “كورونا الذي قتل وأصاب الآلاف من البشر حول العالم”.

الرئيس الذي نتحدث عنه هو دونالد ترامب، الذي قال في تغريدة له عبر “تويتر”، إنه “لشرف عظيم أن أعلن الأحد 15 مارس يوما وطنيا للصلاة. نحن بلد، على مر تاريخنا، نتوجه إلى الله من أجل الحماية والقوة في أوقات كهذه”.

مضيفا “بغض النظر عن مكان وجودكم، فإنني أشجعكم على التوجه إلى الصلاة كفعل إيماني. معا سننتصر بسهولة”.

ما الغرابة في أن يتوجه الرئيس الأميركي إلى الله طلبا للحماية، يستمد منه القوة، خاصة وأن الأميركيين أعلنوها صراحة، أنهم شعب يؤمن بالله، ونقشوا ذلك على عملتهم الدولار “نحن نؤمن بالله”!

الغريب والخطير، في آن، أن ترامب لم يفكر بالانعكاسات الخطيرة لتغريدته هذه، وهو الذي أعلن الجمعة حالة الطوارئ الوطنية في البلاد بسبب “كورونا”، وخصص 50 مليار دولار من الأموال الفدرالية لمكافحة الفايروس، بعد أن بلغ عدد الإصابات في الولايات المتحدة 2455 إصابة، بينها 55 وفاة.

رسالة ترامب قد يفهم منها أنها إعلان صريح على أن الأمر أُسقط من يد الحكومات التي عجزت عن الوصول إلى حل يوقف انتشار الفايروس المرعب؛ قد يكون هذا صحيحا حتى هذه اللحظة، ولكن غير مقبول أن يصدر عن رئيس أقوى بلد في العالم.

تريدون أن تعرفوا لماذا؟ راقبوا ماذا سيكون عليه الحال في بورصة “وول ستريت” مع افتتاح أسواق المال صباح اليوم.

كل يوم، يتضح أكثر حجم التهديد الذي يشكله فايروس كورونا على البشرية؛ حتى الآن يمكن أن يشار إليه بصفته أكبر خطر واجهته دول العالم منذ العام 1918، يوم اجتاحت الأنفلونزا الإسبانية العالم، مخلفة 100 مليون ضحية، واقتصادا محطما.

ورغم كل الإجراءات التي اتخذتها الدول لمحاصرة الفايروس، وصل عدد الإصابات المؤكدة إلى 156 ألفا و396 إصابة، شملت 5833 حالة وفاة.

إن كان ترامب قد اختار البعد الديني، ليبث رسالته المليئة بالتشاؤم، فإن رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، اختار طريقا آخر؛ هو استغلال مشاعر الحزن عند فراق شخص عزيز علينا.

فاجأ جونسون روّاد مواقع التواصل الاجتماعي بكلمة موجّهة للشعب البريطاني قال فيها إن “فايروس كورونا سيواصل الانتشار في البلاد خلال الأيام المقبلة، حاصدا المزيد من الأرواح”، وإنه “يتعين على العائلات الاستعداد لفقد أحبائها باكرا”.

ولم يختلف وقع تصريحات جونسون كثيرا عمّا قالته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي حذرت من احتمال إصابة ما يقرب من 70 في المئة من سكان البلاد بفايروس كورونا المستجد.

بالطبع لنا أن نتخيل ردود الفعل التي أثارتها تصريحات جونسون وميركل من قبل كثيرين اتهموهما بالتهويل، في حين أثنى آخرون على صراحتهما، وقارنوها بتصريحات لمسؤولين في دول أخرى غلب عليها خطاب التهوين والتعتيم.

الصين فقط، وهي أكبر المتضررين، لم يصدر عنها مثل تلك التصريحات المتشائمة، بل تحدث زعماؤها عن اقتراب التوصل إلى لقاح للفايروس.

إن المستشارة الألمانية لم تطالب الألمان بالانضمام إليها في الصلاة لمواجهة الأزمة، بل عبرت عن رغبتها في أن يظهر المواطنون تضامنهم “من خلال أخذ مسافة أبعد بينهم وبين الآخرين”، رغم أن هذا الطلب “يبدو أمرا متناقضا”.

وتحدثت ميركل عن عدو هو فايروس مجهول بالنسبة لنا لا نعرف كيف نقاومه، “لا من خلال اللقاح، ولا من خلال العقاقير الطبية، ولذلك علينا أن نعمل بأقصى ما نستطيع العمل به”.

وأوضحت ميركل أن مساعدة الضعفاء والطاعنين في السن وأصحاب الأمراض المزمنة تتم بأفضل صورة “عندما يتم تحاشي اللقاءات الاجتماعية بقدر الإمكان”.

إن كانت دعوة ترامب، للانضمام إليه في الصلاة إلى الله لرفع البلاء صادقة، فإن دعوة ميركل أكثر واقعية وأبعد عن التشاؤم، ببساطة هي دعوة تذكرنا بضرورة ألا نلقي بأنفسنا إلى التهلكة، ودعوة إلى أن نعقلها قبل أن نتوكل.

9