في موازاة معرض دافنشي: فرنسا تحتفي بالغريكو رائد العصر الذهبي الإسباني

القصر الكبير بباريس ينظّم لأول مرة معرضا لدومينيكوس تيوتوكوبولوس الشهير بـ”الغريكو” (الإغريقي).
الاثنين 2019/12/02
حدث لا يقل أهمية عن معرض دافنشي

حتى العاشر من شهر فبراير القادم، ينظم القصر الكبير بباريس لأول مرة معرضا لدومينيكوس تيوتوكوبولوس الشهير بـ”الغريكو” (الإغريقي)، آخر أعلام النهضة الإيطالية وأول فناني العصر الذهبي الإسباني. وقد عدّه المعلقون حدثا لا يقل أهمية عن معرض دافنشي.

لا يصدق عشاق الفن أن فرنسا لم تفكر في تنظيم معرض لعملاق من عمالقة الفن عبر التاريخ، هو الغريكو (1541-1614) إلاّ الآن. أي أن الفرنسيين انتظروا مرور أربعة قرون على وفاته كي يكتشفوا أعماله عن قرب.

هذا الفنان الذي كان له الفضل في ربط عصرين بارزين هما عصر النهضة الإيطالية والعصر الذهبي الإسباني بمهارة واقتدار جلبا له الشهرة في حياته، ظل منسيا حتى أواسط القرن التاسع عشر، لا يكاد يذكر إلاّ بلوحتيه “دموع القديس بطرس” و”معراج السيدة العذراء”، والحال أنه مؤسّس المدرسة الإسبانية في القرن السادس عشر، والرابط بين طرفي الفضاء الأوروبي، شرقيّه وغربيّه.

عرف دومينيكوس تيوتوكوبولوس بالإغريقي، لأنه ولد في كانديا (هيراكليون الحالية) بجزيرة كريت، وكانت خاضعة في ذلك الوقت لجمهورية البندقية حيث نشأ وتعلم، قبل أن ينتقل إلى روما، ومنها إلى مدريد ثم طليطلة حتى وفاته.

وطوال مسيرته تلك، من مسقط رأسه إلى إسبانيا، استوعب الغريكو الثقافة الأنسية وقواعد فن النهضة حتى صار أول فنان عبر التاريخ يتوصل إلى خلق توليفة بين كبار الفنانين في عصره، تلتقي فيها ألوان تيسيانو (1488-1576) الصفراء الحامضة والوردية الفاقعة والخضراء الأنيسون والزرقاء الكهربائية، بجرأة تينتوريتّو (1518-1594) والقوة التشكيلية لمايكل أنجلو.

بدأ في إيطاليا كرسام أيقونات حسب التقاليد البيزنطية الأرثودوكسية السائدة في القرن السادس عشر، قبل أن يختطّ مساره الشخصي الذي جعل منه فنانا ذا تجربة فريدة، جمع فيها بين التقاليد وحداثة عصره. ولكن فنه عرف ازدهاره في إسبانيا في سبعينات القرن السادس عشر، وهي تستعد لتدشين الإسكوريال. وحاز صفة آخر أعلام عصر النهضة، وأول فنان كبير في العصر الذهبي.

فنان غريب الأطوار
فنان غريب الأطوار

لكي نفهم قوة آثاره وحداثتها، حسبنا أن نتأمل التواءات أطيافه، واعتناءَه بتفاصيل الوجوه عناية تبدي ما في بواطن شخصياته من آلام وعذاب، على نحو تغدو معه اللوحة مندفعة ومكهربة، ما يجعل منه أول فنان تعبيري في نظر بعض النقاد. أو أن نتأمل أيضا الأشكال المستطيلة لشخصياته وألوانها الساطعة التي توحي بأن تلك الشخصيات تتحرّر شيئا فشيئا من الواقع، بشكل يجعلها أقرب إلى التصوف. لذلك عدّه دعاة الرومانسية السوداء في القرن التاسع عشر، مثل الروائي الفرنسي تيوفيل غوتيي، واحدا من روادها الأوائل.

كما أن الطلائعيين، وفي مقدمتهم بيكاسو والأميركي جاكسون بولوّك، نهلوا من أسلوبه، بل إن بعض المحللين يذهبون إلى القول إن بيكاسو استفاد كثيرا من الغريكو خاصة في لوحة “آنسات أفينيون” المستوحاة في نظرهم من لوحة “افتتاح الختم الخامس”.

ورغم ذلك لم يحفظ عنه معاصروه إلاّ صورة رجل اختار العزلة، وفنان غريب الأطوار أفسد بمزاجه فنَّه، فقابلوا راديكاليته المزعومة بالمديح حينا والتجاهل حينا آخر، ذلك أن تنوّع أعماله مثّل أسلوبا هجينا لا يخضع لتقليد فني واحد، ما أثار انتقاد عدة متدينين، رأوا في تصويره لبعض الرموز الدينية تحريفا وتشويها وحتى تدنيسا. وهذا ليس صحيحا بطبيعة الحال، فشخصياته ليست مشوهة بل هي متخيلة في فضاء ما، أي أنها “شخصيات لا وجود لها، وضعت في عالم لا وجود له” بعبارة شارلوت شاستيل روسّو مفوضة المعرض الذي يحتفي بأعمال الغريكو المقام حاليا بمتحف القصر الكبير بباريس.

كما نسجت حوله أساطير تزعم أنه مجنون ومتصوف وهرطقي وحتى ضحية من ضحايا محاكم التفتيش، وما إلى ذلك من الأخبار والتعاليق التي يناقض بعضها بعضا. ثم جاءت الجمالية الباروكية لتلقي بظلالها على أعماله، حتى خمد ذكره تماما، ولم يستعد بريقه إلاّ عندما بدأت المدارس الحديثة في اكتشافه، بدءا بالرمزيين، ثم الانطباعيين، فالطلائعيين الأوروبيين في نهاية القرن التاسع عشر، حيث صار لوغريكو مرجعا لعدد من الفنانين، سواء في الرسم أو السينما أو الأدب.

وفي المعرض الباريسي الذي يضم نحو سبعين عملا فنيا، من لوحات وتخطيطات وبورتريهات ومنحوتات يكتشف الزائر عبقرية فنان ملغز، يعترف النقاد اليوم بأنه رائد من رواد الحداثة. يتجلى ذلك مثلا في لوحة “افتتاح الختم الخامس” التي عدها الفنانون المحدثون، من سيزان، وشاغال إلى بيكاسو، وبولوك من روائع الأعمال الفنية.

وهي لوحة ذات مرجعية دينية تصوّر قصة وردت في “قيامة” القديس يوحنّا، ومشهدا تراجيديا عن نهاية العالم، استطاع الغريكو أن ينقل عبرها ما ينتاب البشر وهم يتأهبون للحساب يوم القيامة. خلف القديس الراكع بلباس أزرق، لون العذراء، تتعدد الأجساد العارية تعددا قد يؤولها بعضهم بغواية الجسد الدنيوية، فيما يؤولها آخرون برؤية دانتية عن الجحيم. وكان عنوانها الأصلي “حب رباني وحب مدنس” يضع على مستويين ما يقود إلى خلاص الإنسان، وما يؤدي إلى هلاكه. والثيمة، كما يذكر المؤرخون مستمدة من لوحة لتيسيانو بالعنوان نفسه، كان رسمها قبل قرن من لوحة الغريكو، ولكن بأسلوب مغاير.

16