في نتائج الانتخابات التركية

لم تُظهر المعارضة أي اهتمام ببرنامج حزب أردوغان الواعد، وركزت على أردوغان نفسه، وكأن هدفها هو إسقاطه وحسب، وبعدئذ لكل حادث حديث. وهذا أسلوب لا يوافق غالبية الأتراك الذين يسألون ما الذي سيعود عليهم من هذا وذاك.
الخميس 2018/06/28
أردوغان لم يبلغ مرحلة الزعامة الباهرة

كانت معظم استطلاعات الرأي في تركيا، تؤشر على صعوبة صعود حزب “العدالة والتنمية” رغم تحالفه مع حزب الحركة القومية وتحقيق الفوز من الجولة الأولى، بالحصول على أصوات أعلى قليلا من نصف مجموع عدد أصحاب الحق في الاقتراع، في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

بموجب النتائج التي أتاحت لرجب طيب أردوغان، أن يعبر حاجز المئة سنة على قيام الجمهورية التركية، على أنقاض ما تبقى من السلطنة العثمانية، وهو أرض التيار الطوراني الذي أطاح بالسلطان عبدالحميد عام 1908؛ يمكن لأردوغان أن يتوقف عند مغزى القرن الذي مضى، فيُشهر مقتضيات تغيير طبائع الجمهورية العلمانية على قاعدة التوقف لتأمل التجربة التركية بعد قرن من بدئها، وإدخال إصلاحات هيكلية والنظر في ثوابت القرن، السياسية والاجتماعية والتحالفات الدولية، التي اعتمدتها الجمهورية منذ 1923، والقول إن هذا التغيير من طبائع التاريخ. عندئذ يمكن أن يتجه أردوغان إلى السياق الذي تدرج في الإفصاح عنه، وهو بعث روح السلطنة العثمانية ودورها عند ملتقى القارتين الآسيوية والأوروبية وتأسيس الجمهورية الثانية.

فقد أعدَّ الرجل عُدته ولما أحس بانخفاض منسوب التأييد له ولحزبه، بادر إلى الإعلان عن انتخابات مبكرة، لكي لا تتداعى الأمور، خلال ما تبقى له من مدة دستورية. قبلها جرى تقييف الدستور لكي يلائمه. ألغى رئاسة الوزراء تحاشيا للإزعاج، سيما وأن تجربته في الرئاسة شهدت تعارضا مع رؤساء وزاراته، وجعل النظام رئاسيا يحسم أمر السياسات.

أخطأت الاستطلاعات في توقعاتها، وتم الحسم والفوز، وسقط رهان المعارضة على احتمالات أن يعجز حزب “العدالة والتنمية” عن الحصول على مقاعد في البرلمان تمكنه من تشكيل الحكومة منفردا. وكان معارضو أردوغان متفائلين بأن يفوز منافسه محرم إينجه، مرشح تحالف المعارضة. وفي أكثر توقعاتهم تواضعا، ظلوا يأملون أن فوز إينجه سيكون في الجولة الثانية عندما يتعادل المنافسان. غير أن من يتابعون حركة السياسة الداخلية التركية، لم يحملوا تفاؤل المعارضة على محمل الجد بسبب نواقص كثيرة في بُنيتها، على رأسها هشاشة التوافق بين القوى المشاركة في التحالف، ومن بين أهم أسباب عدم تفاؤلهم أن التاجر الشاطر، رجب طيب أردوغان، قد تمرّس في لعبة الاقتصاد التي تلامس حياة الأتراك، ومعها لعبة التمظهر بالقوة، في الداخل والخارج، أي في الأمن والعسكر، وهذا بالنسبة لهم مسألة ساحرة تذكر بمجد الدولة العثمانية!

لم تقدم المعارضة التركية أفكارا اقتصادية، ولا رؤية للعلاقات في الإقليم ولا طموحا يدغدع مشاعر الأتراك، وركزت على موضوعات الداخل والقبضة الأمنية وقضايا الفساد. واستفاد أردوغان من عوامل ناشئة عن هشاشة المعارضة ومن نزعتها القومية.

فعلى هذين الصعيدين، اختلف معارضو أردوغان على مرشحهم الرئاسي، ورفضوا ترشح عبدالله غُل لمنافسة زميله السابق، والرئيس الذي سبق أردوغان إلى القصر. والرجلان من جذر أيديولوجي واحد، وكلاهما كانا من تلاميذ نجم الدين أربكان. وكان غُل، بتاريخه السياسي وبتجربته الشاهدة على إقصاء أردوغان لشركائه وأصدقائه؛ سيحصد أصواتا أكثر بدعم تحالف المعارضة. فالكثيرون من ذوي الميول الإسلامية رأوا في أردوغان ممثلا وحيدا لوجهتهم. وأخطأ ائتلاف المعارضة القومية، عندما امتنع عن استيعاب حزب “الشعوب الديمقراطي” الذي يواليه الأكراد، فذهبت معظم أصوات الأكراد في المدن لأردوغان، بغواية عنصريْ الاقتصاد والدين، في مناخ انتخابي يشهد جموحا للعنصر القومي التركي.

وكان حزب “العدالة والتنمية” قد فعل العكس، بمنهجية تصفير المشكلات التي ابتدعها أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء الأسبق. ففي الوقت المناسب وعد أردوغان كل المتبرمين من سياسته الداخلية والقبضة الأمنية، برفع حالة الطوارئ، وتوفير فرص عمل بأعداد معتبرة، ورفع الرواتب. وفي سياق تلك الحركة الاجتماعية التي قام بها حزب “العدالة والتنمية” لم تُظهر المعارضة أي اهتمام ذي شأن ببرنامج حزب أردوغان الواعد، وركزت على أردوغان نفسه، وكأن هدفها الاستراتيجي هو إسقاطه وحسب، وبعدئذ لكل حادث حديث. وهذا أسلوب لا يوافق غالبية الأتراك الذين يسألون ما الذي سيعود عليهم من هذا وذاك. كان السؤال مطروحا، وقد أجاب عنه الحزب الفائز، ولم تُجب عنه المعارضة الخاسرة.

كان في نتائج الانتخابات، عند قراءتها بتعمق، ما يؤكد أن المعارضة هزمت نفسها قبل أن يهزمها حزب “العدالة والتنمية” وكان بمقدورها أن تفوز، لأن النتائج تؤكد أن أردوغان لم يبلغ مرحلة الزعامة الباهرة التي يحلم بها لكي يصبح رمزا يختلف معه الأتراك ولا يختلفون عليه. وأسطع دليل على ذلك، أن منافسه محرّم إينجه حصل على نسبة عالية تزيد قليلا عن 30 بالمئة، وهو القادم قبل وقت قصير من المجهول، ولا يعرفه الأتراك إلا في مقاطعة “يالوفا” في شمال شرقي تركيا التي انتخبته للبرلمان أربع مرات عنها وعن حزب “الشعب الجمهوري”. وكان من بين الأحزاب المتنافسة “حزب الخير” الذي أسسته البرلمانية المخضرمة ميرال أشيكنار، أستاذة التاريخ والعلوم السياسية، التي انشقت عن حزب “العدالة والتنمية” لتؤسس حزبا جديدا حصل على 45 مقعدا، وهي أصلا من عائلة بلقانية انتقلت من اليونان إلى تركيا، وليست لديها نزعة قومية. ومن المفارقات أن هذه هي نفسها التي حرضت ضد ترشح عبدالله غُل، ويبدو أن حسبتها الشخصية جاءت بــ45 مقعدا، كانت ستضاف إلى مقاعد المعارضة في حال كان مرشحها عبدالله غُل.

اجتاز أردوغان الاختبار الصعب بنسبة ضيقة تؤكد أن فوزه كان هدية له من ناخبيه ومن المعارضة نفسها!

8