في ندوة نقدية بالدار البيضاء.. الرواية تفضح تزوير التاريخ

الخميس 2016/02/11
ثلاثة أزمنة تنتظم داخل العمل السردي

الدار البيضاء - لم يكن من باب الاعتباط ولا المصادفة أن يحتضن مركز محمد بلحسن الوزاني للديمقراطية والتنمية البشرية بوسط الدار البيضاء، ندوة نقدية حول رواية "زمن الخوف" للصحافي والمتخصص في الجماعات الإسلامية إدريس الكنبوري، قام بمقاربتها، من منظور أدبي وثقافي، الروائي والناقد شعيب حليفي، ومن وجهة نظر تاريخية، المؤرخ معروف الدفالي المهتم بذاكرة المغرب المعاصر.

وجه الترابط أن حبلا سريا يصل بين مرامي هذا المركز، الذي تشرف عليه كريمة الزعيم الوطني الراحل ومؤسس حزب الشورى والاستقلال، حورية الوزاني، وبين مرجعية ومخيال الرواية، التي اختارت التبئير على وقائع سوق أربعاء الغرب بُعيد الاستقلال من خلال ما قام به أفراد من حزب الاستقلال من مجزرة في حق “الإخوة الأعداء” في حزب الشورى والاستقلال، وهو ما طبع ذاكرة سكان المنطقة وظل جرحا حيا في وجدان الروائي المتحدر من ذلك الهامش المنسي.

وعوض زمن واحد للخوف، كما تسعى إليه الرواية من خلال عنوانها في توجيهها للقارئ، وقف الدكتور شعيب حليفي على ثلاثة أزمنة تنتظم داخل هذا العمل السردي. يتعلق الأمر بزمن الكتابة الراهن (2015) المثقل بمرويات الإرهاب، وما يكتنزه في ثناياه من أسئلة حول قصدية الكاتب من ترهين أحداث تنتمي إلى اللحظة الاستقلالية في طزاجتها، سنة 1956. وزمن الحكي العائد إلى سبعينات القرن الفائت، ثم الزمن الوسيط كما يجلوه التفاعل بين زمن القصة وزمن الخطاب مصعدا من تلك البؤرة التي انتسجت حولها دوائر التسريد الروائي (يناير 1956).

نفس التشبيك سيعقده شعيب حليفي على مستوى مقاربته لعملية تلقيه للرواية، إذ ميّز بين قراءتين. الأولى أملاها ما هو خارج النصّ: تخصص الكنبوري في قضايا الإرهاب جعل التوقع يرتهن إلى هذا الرعب الذي يعممه شبح التطرف عبر وسائل الإعلام ويغلف الحياة العامة بظلاله القاتمة. وهي قراءة سرعان ما سيخيِّبُ أفق انتظارها متن الرواية.

القراءة الثانية قادت حليفي إلى استبطان أبعاد الرواية عبر خصائصها النوعية مستقصيا، أولا ما وسمه بـ“وعي النص”، من خلال 35 لوحة/ فصلا. والمعتمد في هذا التعقب التحليلي النقدي كان هو شخصية الطفل وما تلتقطه عيناه من حوادث وأذناه من محكيات، ثم ما يخلفه المرئي والمسموع من انفعالات على وجدانه.

وثانيا ما نعته شعيب حليفي بـ“وعي الراوي”، الذي مَفصَلَه هو الآخر إلى أربع علامات حكمتها أربع سرديات هي: سردية شخصية الياديني وابنه أحمد وكلاهما متعامل مع الاستعمار من خلال الخيانة أو مع المخزن. وسردية قرية الحشالفة التي يحكمها آل الياديني وما تمثله من ظلم وطغيان وتزييف. وسردية مذبحة سوق أربعاء الغرب حيث يطغى حزب على آخر ويسعى إلى إبادته. وأخيرا سردية حزب الشورى والاستقلال في صراعه التاريخي مع حزب الاستقلال على خلفية غياب الدولة.

كما وقف شعيب حليفي عند خصوصية المكان الذي احتضن كل هذه السرديات وأعطاها بُعدا مغربيا واقعيا مخصوصا من جهة التنصيص على علامات البادية أو القرية.

من جهته قدّم محمد معروف الدفالي قراءة حاولت اختبار المعطيات التاريخية التي حبلت بها الرواية، وقد أقرّ بأن الأدب أقدر على الاضطلاع بالحقيقة التاريخية في الوقت الذي يعجز المؤرخ عن فعل ذلك بشكل مباشر. وحاول المتدخل أن يؤطر أحداث الرواية تاريخيا من خلال سرده لمحطات أساسية في تاريخ الحركة الوطنية، مثل 1930، التي شكلت بزوغ الحركة الوطنية على خلفية الظهير البربري، ثم 1934، تاريخ تأسيس كتلة العمل الوطني، و1937، لحظة الخلاف بين زعماء الوطنية، والتي أدّت إلى إنشاء الحزب الوطني بقيادة علال الفاسي، والحركة القومية بزعامة محمد بلحسن الوزاني، قبل أن يصبح لكل تنظيم حزبي اسم يحمله: “حزب الاستقلال” و“حزب الشورى والاستقلال”.

وأوضح معروف الدفالي كيف أن غياب التناقض الرئيسي الذي كان يشكله الاستعمار الفرنسي هو الذي فجر التناقضات الثانوية التي كانت كامنة بين الحزبين الغريمين، وأدّى إلى ما أدّى إليه من مجازر، كانت مجزرة سوق أربعاء الغرب -مدار الرواية- واحدة منها. وسلط الضوء على ما أسماه بالخارطة الحزبية السائدة في أعقاب الاستقلال.

هذا التأطير سعى من خلاله الدفّالي إلى فهم السياق السياسي والفكري والتاريخي الذي كانت أحداث الرواية تتحرك داخله مُعبرة عن حقيقة المرحلة. وغير خاف أن هذه المقاربة، على أهميتها، تختزل الأدب في كونه مجرّد وثيقة وشهادة على حقبة، مع القفز على إملاءات اللحظة الراهنة التي دفعت بالروائي إلى استحضار هذه المرحلة التاريخية أو تلك، وذلك ما لا تكشف عنه بعمق إلا قراءة تتوسل أدوات الأدب بمعناه النقدي المراوح بين النص وكل عنصر خارجي موصول به.

15