في نزعة العنف وانحرافات حركات التحرر الوطني

الاثنين 2016/01/18

لا يمكن إنكار أن ثمة مفاجأة في تحوّل حركات التحرر الوطني إلى سلطة، بكل معنى الكلمة، أي بما يفيد بالسيطرة والهيمنة، على الموارد والمجتمع والمجال العام، هذا ينطبق على حركة التحرر الوطني الفلسطينية، في الضفة كما في غزة، لا سيما أن ذلك حصل قبل إنجاز دحر الاحتلال، وأنه ترافق مع حال الاقتتال والانقسام الفلسطينيين.

لكن فجيعة حركات التحرر الوطني الأكثر إيلاما، كانت قد تمثلت بانكشاف حزب الله، وتحوله من حركة مقاومة ضد إسرائيل، إلى ميليشيا طائفية تشتغل كذراع إقليمية لإيران في المنطقة، وتشارك في الدفاع عن نظام الاستبداد والفساد في سوريا، وتنخرط بكل ثقلها في قتل السوريين، الذين طالما احتفوا بهذا الحزب ورفعوا صور زعيمه في بيوتهم وأماكنهم العامة.

لذا ليس مستغربا أن هذا الحزب دافع عن القرار القضائي المتعلق بالإفراج عن ميشال سماحة، الذي ثبت باعترافاته اعتزامه المشاركة في مخطط تفجيرات في لبنان، بناء على أوامر من مسؤولين استخباراتيين في النظام السوري، أي أنه اعترف بممارسته الإرهاب، وزرع فتن الحرب الأهلية في لبنان، وكان هذا الحزب قد غطى الإفراج عن ضباط محسوبين على حليفه ميشال عون رغم ثبوت تعاملهم مع المخابرات الإسرائيلية.

الفكرة هنا ليست أن هذا الحزب يستخدم القضية الفلسطينية لأغراض التلاعب والتزييف ولأغراض السلطة، وتعزيز مكانته الطائفية، وإنما أنه يستخدم أيضا المقاومة المسلحة ضد إسرائيل، التي توقفت عمليا منذ العام 2000، لتغطية واقعه كميليشيا مسلحة، تستخدم سلاح المقاومة للهيمنة على اللبنانيين وقتل السوريين.

وللأسف فإن تجارب معظم حركات التحرر الوطني المسلح تفيد بأن ثمة علاقة وثيقة بين نزعتين، أولاهما، نزعة العنف، وهي هنا لا تقتصر على العنف الموجه ضد مختلف تجليات الحالة الاستعمارية، فقط، وإنما هي تتسع لتشمل العنف الموجه داخليا لأغراض حسم المنازعات بين الفصائل الوطنية، أو لتعزيز هيمنة فصيل معين على المجتمع. وثانيتهما، التقليل من شأن الحياة البشرية، ومن مكانة القيم والحقوق الإنسانية الأخرى، كالحق في الحرية والتعليم والصحة والعيش الكريم والعدالة والاختيار الحر.

ثمة من يعتقد بأن هذه الحركات تُعلي من شأن الشهادة والتضحية في سبيل الوطن والشعب، تماماً مثلما تعلي من شأن الحرية على أساس دعوى مفادها أن لا حرية للأفراد، ولا كرامة لهم بمعزل عن حرية الأوطان.

لكن تفحص هذه البديهيات أو الادعاءات، في حيز الممارسة السياسية، وبغض النظر عن الشعارات المراوغة، يبيّن أن حيوات الناس لم تحظ بأهمية توازي مسألة الحفاظ على الهيمنة أو السلطة، لهذا الفصيل أو ذاك، وأن مسألة الحرية كانت تجيّر لخدمة عمليات الانصياع للقيادات “الملهمة” أو “المعصومة”، التي جعلت من نفسها وصية، على القضايا والشعب والوطن، من دون مساءلة ولا محاسبة لا سيما في واقع يفتقر إلى الإنجازات، حتى أن وجود هذه القوى بات هدفا بحد ذاته!

ويكفي أن نذكر هنا، ومن باب المقارنة، أن عدد قتلى إسرائيل نتيجة العمليات المسلحة، منذ بداية المشروع الصهيوني أي منذ قرن ونيف تقريباً، بلغ حوالي 29 ألفا، فقط، وهو عدد يشمل مجمل قتلى إسرائيل، في الحروب التي خاضتها وعمليات المقاومة المسلحة التي تعرضت لها. في المقابل، فإن خسائر الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والعراقيين والأردنيين والجزائريين ومعهم اليمنيين والليبيين، في الصراعات البينية أو الأهلية، تزيد بعشرات أضعاف ذلك. ومشكلة حركات التحرر الوطني المسلحة أن عنفها يرتد إلى الداخل، حينما تعجز عن تنفيسه ضد عدوها الوطني / الخارجي، ما يقتل معنى التحرر والوطنية، ويرتد خرابا وعبثا في المجتمعات المعنية.

والأنكى أن هذا العنف الداخلي ليست له تعبيرات جسدية فقط، ما يجعل منه مجرد سلوكيات ظرفية أو طارئة، وإنما له أيضا تعبيرات أيديولوجية، بمعنى أنه عنف لفظي، أيضا، يتضمن الحط من قيمة الآخر، ومحو المختلف، وهذه هي وظيفة الخطابات الاتهامية الاستئصالية والتخوينية، وهذه الخطابات هي التي تبرر العنف الداخلي وترسخ استمراره. وما يعزز من الطبيعة السلطوية والعنفية لحركات التحرر الوطني المسلحة، حقيقة أن تلك الحركات تستهويها السلطة، لا سيما أنها تعتمد على الألوف من المقاتلين المتفرغين، ومن المتعيشين من موارد خارجية، على الأغلب، ما يخفف من تبعيتها لمجتمعها. بل إن هذه الحركات، وفي شكل أكثر تحديداً، تنشئ، أو يخيل لها أن تنشئ، نوعا من مجتمع مواز، أو مجتمع بديل، تستعيض به، كما وتستقوي به، عن المجتمع الأصلي، الذي يدفع إلى الخلف، أو يزاح إلى الهامش ما يفسر حال الغربة بين حال هذه الحركات وأحوال مجتمعاتها.

هكذا، ففي عصر الحركات الوطنية المسلحة، الجميع هم وقود للتحرير ومجرد مشاريع تضحية، وهنا يكمن انحطاط حركات المقاومة المسلحة ومواتها.

كاتب سياسي فلسطيني

9