"في نظرية التداخل الثقافي" الهويات تكوينات غير ثابتة

يشير مفهوم التداخل الثقافي إلى دعم الحوار عبر الثقافات، ومواجهة نزعات الانعزالية الذاتية داخلها، وينطوي على تخطي القبول السلبي المجرد لحقيقة تعدد الثقافات فيما يتعلق بالكثير منها القائمة في مجتمع ما بصورة فعالة، وبدلا من ذلك يدعم الحوار والتعامل فيما بينها.
السبت 2016/01/30
التداخل والتعدد بين الثقافات

لنا أن نسأل ونحن نخوض في مفهوم التداخل الثقافي، كيف تجلى هذا المفهوم في المنظور النقدي القائم على خلفيات فلسفية وأيديولوجية؟ وما هي المظاهر التي ركّز عليها، أو استنطقها النقد الأدبي في مقارباته للأعمال السردية؟

بهذين التساؤلين تخوض الباحثة وسيلة سناني، أستاذة النقد والأدب المقارن بجامعة جيجل الجزائرية، غمار إشكالية تبني النقد المعاصر، ومنه النقد الروائي لمظاهر التداخل الثقافي في كتابها الجديد "في نظـرية التداخـل الثقـافي" الصادر مؤخراً عن دار فضاءات في عمّان.

يقع الكتاب في ثلاثة فصول، يبحث الأول في بواعث التداخل الثقافي، ويتناول الثاني المنظور النقدي للتداخل الثقافي، ويدرس الثالث التداخل الثقافي في السرد الروائي.

ترى الباحثة سناني في مقدمة الكتاب أن موضوع التداخل الثقافي يُعد الميزة الخاصة للدراسات المعرفية والأدبية في العالم اليوم، نتيجة لتطور المنظور المعاصر حول التاريخ والهوية، وأن النتائج المعرفية للفلسفة الناقدة لفلسفة الحداثة قدّمت تصورا عن الهويات الثقافية بوصفها تكوينات غير ثابتة، تجمع بين عناصر مستمرة وعناصر متغيرة.

هذه العناصر في رأي الباحثة مبنية في الأصل على التداخل والتعدد، ومتعلقة بالغيرية، وتقوم على التحول المستمر والإحساس بالتميز، ولا يمكن القبض عليها إلا في لحظة تحديدها ضمن عناصر جديدة. ويُعدّ هذا اعترافا بفاعلية كل ثقافة، وبالتداخل الحاصل بين الثقافات.

حاولت وسيلة سناني أن تتطرق إلى أهم قضايا هذا الموضوع التي جرى تناولها في مجموعة من مدونات النقد ما بعد الحداثي، وفي مجمل الدراسات الثقافية، منها ما بعد الكولونيالية وما بعد البنيوية، وكيف استقبلها النقد الأدبي، واستنطقها في السرد الروائي، خاصةً النقد الأدبي في الجزائر، الذي اختارت منه نماذج درست الرواية الجزائرية المعاصرة.

في الفصل الأول وقفت الباحثة على الأسباب التي جعلت موضوع التداخل الثقافي يبرز في النقد المعاصر ويجتاح مجالاته. وتحدثت عن النقد الفلسفي الذي كان وراء هذا الموضوع، ذلك النقد الذي يمتد من بدايات القرن العشرين تحت تسمية نقد ما بعد الحداثة. ثم تتبعت سناني المفهوم الجديد للثقافة وأثره في إظهار جانب التداخل الثقافي داخل علم الأنثروبولوجيا، والذي طوّر كثيرا هذا المفهوم وأخرجه من دائرة الضيق، وصولاً إلى المواضيع التي أثيرت حديثا عن التعددية الثقافية، ومصير الهويات الثقافية ضمن التوجه العالمي الجديد.

الباحثة تقف على الأسباب التي جعلت موضوع التداخل الثقافي يبرز في النقد المعاصر ويجتاح مجالاته

أما الفصل الثاني من كتاب "في نظـرية التداخـل الثقـافي" فقد خصص للبحث في التداخل الثقافي داخل النظريات النقدية الجديدة، وكيف بلورت مفهوما جديدا يلغي التفرد ويعزز التعدد والتداخل، ويمحو مصطلحات الذات والآخر، ويجعل من الهوية والكتابة والتاريخ مسارا لا متناهيا يتشكل دائما من التهجين ومن التداخل. وركّزت وسيلة سناني في هذا الصدد على ما بعد البنيوية بمختلف تياراتها، وما بعد الكولونيالية والدراسات الثقافية البريطانية، حيث ظهرت مناهج جديدة لدراسة النصوص ومنها النصوص الأدبية.

وجاء القسم الثاني من هذا الفصل حول إجراءات النقد الأدبي المتعلقة بالبحث عن التداخل الثقافي، والتفاعل النصي وتعدد المعنى، والمناهج الأخرى التي أتت بها التاريخانية الجديدة والنقد الثقافي المقارن. أما الفصل الثالث فقد خصصته الباحثة للسرد الروائي، بما يتماشى وخصائص الرواية في إبراز التداخل الثقافي، الذي تعكس به الواقع الجماعي، وكذا الواقع الفردي، الذي هو محصلة محاكاة الرواية للواقع.

ثم تعاملت مع المدونة الروائية الجزائرية بما تفرضه من خصائص حول التداخل الثقافي بطريقة متنوعة بين نصوص رشيد بوجدرة، ونصوص واسيني الأعرج.

17