في نقد الإغراء الصيني

الاثنين 2017/10/30

في أجواء ملؤها الهدوء المطبق والانضباط المطلق، كما لو كان الحال حال مؤسسة تعليمية في فترة الامتحانات، أو حال خشوع تعبّدي داخل معبد من المعابد الضخمة، احتضنت قاعة الشعب الكبرى في بكين قبل أيام قليلة أكثر من ألفي عضو من مندوبي المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني. وفيما يشبه مراسيم الطاعة والولاء انتهى المؤتمر إلى انتخاب الأمين العام شي جين بينغ لقيادة الحزب الشيوعي وقيادة الصين الشعبية لفترة غير محدودة في الزمان، دون أن يضطر إلى تعيين نواب له، وهي رسالة تقول ما تقوله.

كما انتهى المؤتمر إلى موافقة كل الأعضاء المؤتمرين بالإجماع على تكريس نظريّة “الاشتراكية ذات الخصائص الصينية للعصر الجديد” في دستور الحزب الشيوعي الصيني. وهي النظرية التي ترددت عبارتها في خطاب الزعيم داخل قاعة المؤتمر العشرات من المرات.

بهذا النحو نجح ثاني أقوى زعيم صيني بعد ماو تسي تونغ في بسط سلطته التنظيمية والفكرية وفق رؤية تسعى إلى جعل الصين تقود العالم بأكمله خلال أجل لا يتعدى الأمد القريب. ولتحقيق هذا الحلم العظيم سيعتمد الزّعيم القوي على اللجنة الدائمة للمكتب السياسي التي تضم سبعة أعضاء من الموالين، بالصدفة كلهم ذكور!.

إن الحزب الشيوعي الصيني يؤكد مرّة أخرى بأنه لم ينج وحسب من محرقة انهيار المعسكر الشيوعي عقب البريسترويكا وانهيار جدار برلين، ذلك الرّبيع الذي أمسى بدوره خريفا، وإنما نجح في فرض نموذج يتحدّى العالم من جديد، وذلك على طريقة طائر الفينيق الذي ينبعث من رماده. بل لعل الحزب الشيوعي الصيني قد نجح في كسر قاعدة أخرى كانت تبدو أكثر صلابة، وهي القاعدة التي ترى أن طول الأمد في السلطة يقود الحزب إلى الفساد بالضرورة.

لكل هذه الأسباب لا ننكر ولا نغفل أن النموذج الصيني قد بدأ يمثل نوعا من الجاذبية والإغراء بالنسبة للعديد من النخب في عدد من المجتمعات، وعلى الأرجح سيكون الإغراء كبيرا داخل مجتمعاتنا المتأخرة عن الركب الحضاري، وقد يصير الإغراء أكثر جاذبية لأقطاب الإسلام السياسي لا لشيء سوى بدافع التماهي مع من يعادي الغرب.

لا يقف الأمر عند هذا الحد بل قد يقع في الإغراء الصيني عدد من التكنوقراطيين بسبب غلبة العقل الأداتي على التجربة الصينية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى بعض اليساريين الذين لربما تغويهم معاداة الإمبريالية على الطريقة الصينية، لكن يبقى هناك إغراء أشد خطورة على مستقبل الحضارة المعاصرة برمتها، هو الإغراء بانتكاسة كليانية/ شمولية: حزب واحد، زعيم أوحد، إعدام الحريات الفردية، انعدام النقاش العمومي وغياب فصل واضح بين المجال العام والمجال الخاص. وإن كانت الصين قد حققت نجاحا اقتصاديا وتنمويا مبهرا، فهذا مؤشر على جدية الإغراء.

ثلاث خلاصات تدعم قابلية النموذج الصيني للتسويق في مستوى المجتمعات المتأخرة:

– لقد نجحت الصين في الانتقال من بلد زراعي إلى قوة صناعية في أقل من نصف قرن من الزمن، وفي ما يشبه المعجزة الاقتصادية. وهذا الإنجاز مبهر وصريح لا لبس فيه.

– لقد حافظت الصين على قدر معين من العداء الثقافي المعلن للحضارة الغربية، والذي تستوحيه من ثلاث مرجعيات متنافرة: الوطنية الصينية، العقيدة الدينية الكونفوشيوسية، والفلسفة الماركسية الماوية.

– تظل الثقافة الديمقراطية وقيم الحريات الفردية ضعيفة في الصين، بل لعل مستوى الوعي بالذات لا يزال متدنيا. وذلك هو القاسم المشترك بين غالبية المجتمعات الشرقية. وهو ما يضعنا أمام مآل مخيف وشبيه بأفلام الخيال العلمي، حيث تمتلك كائنات دنيا –لديها وعي خافت بالذات- أرقى التقنيات والمهارات العلمية.

عموما وبصريح العبارة فإن الخطر الأكبر على الحضارة المعاصرة كان ولا يزال يتمثل في قدرة أي نظام شمولي على امتلاك التفوق العلمي والتكنولوجي، لا سيما في المجالين التاليين:

- المجال الأول، الهندسة الوراثية، وكل ما يتعلق بالتعديل الوراثي، وتحسين النسل، وربّما تعديل طبيعة النوع البشري في المستقبل القريب. ونتذكر كيف كانت النازية قريبة من الطفرة العلمية في مجال “تحسين النسل”. وبوسعنا أيضا أن نتخيل النتائج فيما لو لم تخسر ألمانيا الحرب العالمية الثانية.

– المجال الثاني، الذكاء الاصطناعي، وكل ما يتعلق بآليات التحكم والضبط والمراقبة ذات الذكاء الفائق، والتي قد تصل إلى حدود التحكم في ثلاثة مصائر بالغة الخطورة: أولا، إمحاء المجال الخاص بصفة نهائية. ثانيا، تنميط الرغبات والذوق والخيال. ثالثا، توجيه الذكاء الاصطناعي نحو مجتمع السيطرة الشاملة.

وفي هذا الإطار، أنجزت الصين في السنوات الأخيرة أكبر قاعدة بيانات إلكترونية لمراقبة سلوكيات المواطنين، ومن ثمة إمكانية حصول المواطنين على بعض الحقوق أو بعض الامتيازات انطلاقا من السلوكيات التي تكشفها تلك “الذاكرة”. وإن كانت النوايا المعلنة تتعلق بتشجيع ثقافة العمل والوفاء والالتزام، فإن المشكلة تكمن في آخر المطاف -وكما هو واضح- في طبيعة المعايير التي تحدد السلوك الجيد.

من أصدق ما قد يقال، الديمقراطية نظام سيء لكن البدائل أسوأ. وبكل تأكيد ستكون البدائل كارثية في زمن التعديل الوراثي، والذكاء الاصطناعي. نحتاج اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى مجتمعات مفتوحة، شفافة، يسري فيها النقاش بنحو دائم وفي كل المجالات. تلك هي الضمانة الوحيدة لكي لا يصبح العلم وسيلة لتحكم أصحاب “القبضة الحديدية” في مصائر النوع البشري.

كاتب مغربي

9