في نقد الحاجة إلى الحوار

الاثنين 2014/11/24

بالنظرة الأولى قد يبدو العنوان صادما. ولعلّ الصدمة مبرّرة؛ إذ كيف يمكننا أن ننتقد شيئاً نحتاجه أصلا أو نفتقده بالأساس؟ ألا يقوم الفضاء العمومي على قاعدة الحوار؟ ألا يستدعي الواجب الأخلاقي أن ندعو إلى الحوار في كل الظروف والأحوال؟ أليس البديل الآخر عن الحوار هو العنف بكل تجلياته؟

بدءاً نقول، ليست المشكلة في فعل الحوار من حيث هو حوار، من حيث هو تواصل إنسانيّ مفتوح، من حيث هو تمرين أولي من تمارين الديمقراطية وميسم يسم المجتمعات المتمدنة، لكن المشكلة حين نظنّ بأنّ الحوار هو الحل السحري لكل المشاكل والمسائل، وبأنّه كفيل بتغيير الآراء والمواقف وتطوير الوعي البشري بنحو إيجابي، أي أننا نرهن كل شيء بالحوار. والملاحظ أن الحوار في كثير من الأحيان أصبح مجرّد تملص لبق من محاولة الحل. نعرف أن مصطلح “الحل النهائي” مروّع، منذ هتلر على الأقل، لكن اللاّحل ليس حلاًّ. فأي المشاكل تلك التي بوسع الحوار أن يحلها غير تأجيل الحل؟ نعم، لعل الحوار يساعد على رفع سوء التفاهم. لكن، هل يتقاتل الناس فقط لأنهم لم يفهموا بعضهم بعضاً؟ هل يكفي أن تفهم داعش ما يريده الأكراد، ويفهم الأكراد ما تريده داعش؛ ويفهم بشار ما تريده المعارضة، وتفهم المعارضة ما يريده بشار؛ ويفهم الجيش المصري ما يريده أنصار بيت المقدس، ويفهم أنصار بيت المقدس ما يريده الجيش المصري من رفح، هل المسألة كل المسألة مجرّد سوء فهم متبادل؟

المفارقة أنّ سوء الفهم هو المطلوب أحياناً لأجل تفادي الاصطدام. بل، قد يكون السلام ثمرة سوء تفاهم متقن. وليس قصدنا أن نبخس الحوار، لكن حسبنا أن ننزع عنه طابعه السحري، وأن نبيّن حدوده. ودعنا نقول، إن في تبادل الكلام لشفاء من الغضب الذي يعتبره أفلاطون عدوا للسياسة، ومن الخوف الذي يعتبره سقراط عدوا للحكمة، ومن الحقد الذي يعتبره نيتشه عدوا للفهم، لكن، هل يكفي تبادل الكلام حتى ينتقل الوعي من حال إلى حال؟ ودعنا نطرح السؤال الأكثر إرباكاً: ما هي احتمالات نجاح أي حوار في توجيه أي شخص نحو تعديل مواقفه- إذا ما استثنينا الأشخاص الذين قد نصادفهم في لحظات التردّد، وهي مصادفة لا يعوّل عليها-؟ بل حتى بالنسبة إلى الأشخاص المترددين يصعب أن نتصور حواراً يحملهم على حسم مواقفهم؟ هنا لا نتكلم في مجال أذواق الموسيقى أو فرق كرة القدم وإنما نتكلم عن الأفكار التي تهم مصائر الناس وحيواتهم. أليست فرص تعديل الإنسان لرأيه، لقناعته، لموقفه في المسائل الوجودية والحياتية أمراً شديد الصعوبة والتعقيد من أن تحسمه بعض الحجج الكلامية؟ وطبعاً فإننا لا نتكلم عن المفاوضات، التي هي بمثابة نوع من عض الأصابع، يتم فيها استعمال وسائل ضغط غير كلامية، أو هي الحرب بأدوات غير حربية كما يقول العارفون، لكننا نتكلم عن الحوار، عن استعمال خاصية الكلام لأجل نقل وعي المخاطَب من حال إلى حال. والسؤال، ما الذي يقنع الإنسان بتغيير مواقفه؟ بمعنى، كيف يتغيّر الوعي؟ كيف يتطور؟ كيف تحصل للوعي قناعات جديدة؟ هل يكفي عرض الحجج الكلامية؟

ماذا نقصد بهذا السؤال؟ ستكون إجابتنا واضحة: إننا نسائل مسلمة تستبدّ بوعي الكثيرين، بل الأكثرين، مسلمة تزعم بأنّ تعديل القناعات هو دائماً ثمرة حوار ناجح، بحيث يقتنع طرف بحجج الطرف الآخر، أو يلتقي الطرفان في موقف ثالث، ثم ينتهي كل شيء بسلام حتى إشعار آخر. هذا قد يكون في المفاوضات، حيث لا يأتي الكلام معزولا عن آليات القوة غير الكلامية، لكن بالنسبة إلى الحوار الأعزل إلا من الكلمات تصبح احتمالات تعديل الموقف ضئيلة، لاسيما حين يحفظ الدماغ الآدمي بعض الآراء في المكان المخصص للعقيدة، وما أكثر هذا.

دعنا نتقدم قليلا فنرفع بعض اللبس ونقول، إنّ الوعي بحدود أي فكرة يجعلها أكثر فاعلية. ومن هنا نحتاج إلى كشف حدود الرهان على الحوار، وذلك لأجل تفادي الخيبة بكل تأكيد، لكن أيضا، لأجل أن نجعل الحوار الهادف إلى تطوير الوعي أبعد من مجرّد تبادل للكلمات، أبعد من ذلك بكثير. وهذا هو المطلوب الآن. ولنوضح:

برامج المناصحة في السعودية، وجلسات الشيخ راشد الغنوشي في مراحل سابقة مع أنصار الشريعة، ونماذج حوارية كثيرة، نعرفها، أو نسمع بها، أو أننا قرأنا عنها، جميعها تؤكد بأنّ الرهان على إقناع الشباب بالتخلي عن العنف والتطرّف من خلال منطق مقارعة الحجة بالحجة، والنص بالنص، والفتوى بالفتوى، وغير ذلك من الحجج الحوارية، مجرّد رهان على حصان خاسر. نعم، قد ينجح شخص ما في إقناع شخص متطرف بعدم السفر إلى سوريا، أو اختيار العراق بدل اليمن، أو تأجيل السفر، لكن أن يقنعه بتغيير موقفه المتطرف، فهذا قد لا يتحقق بالحوار إلا فيما ندر، والنادر لا حكم له. وإذن لابد من تلمس إجابة واضحة عن السؤال: كيف يحدث أن يغيّر الإنسان قناعاته؟ بمعنى، كيف يتطور الوعي؟ هذا هو السؤال.

هناك مفهوم أساس ملازم لمفهوم التطور، قد يكون شارحاً له في بعض الأحيان، هو مفهوم التكيّف. نعرف هذا في علوم الحياة، ونعرفه في نظريات التعلم أيضاً. بوسعنا القول إن وعي الإنسان يتغيّر أو يتطور بفعل التكيّف مع وضعية جديدة. هذه الوضعية الجديدة قد تخلقها ثلاثة عوامل أساسية:

أولاً، حدثٌ مفصلي، قد يهم تجربة الفرد نفسه بالنظر إلى حياته العاطفية، أو المهنية، أو الوجودية، وقد يكون الحدث حدثا اجتماعيا أو سياسيا أو تاريخيا كبيراً، له ما بعده. وليس يخفى أن كثيرا من الأحداث الكبرى كانت مفصلية في تعديل قناعات الناس: سقوط جدار برلين، الحادي عشر من سبتمبر، ما يسمى بالربيع العربي، إلخ.

ثانيا، سنّ قانون جديد، بحيث تسنّ الدولة قانونا أو عدة قوانين، تتناسب مع مكتسبات حقوق الإنسان، ويكون على الوعي بعدها أن يتكيف مع الواقع التشريعي الجديد. مثلا، لو انتظرنا أن يقتنع الناس بتجريم الميز العنصري والجنسي وتجريم العبودية قبل سن القوانين لانتظر الغرب نفسه ألف عام أو يزيد، لكن التجربة بيّنت أن القوانين قد تفرض واقعا جديدا، ثم يتكيف الوعي بعد ذلك. وفي كل الأحوال، لم يثبت أن مظاهرة خرجت في إحدى مدن الغرب لأجل إلغاء عقوبة الإعدام، لكن اتجاه القوانين الحديثة نحو إلغاء عقوبة الإعدام ساهم في تغيير وعي الناس وقناعاتهم بالموضوع.

ثالثا، وضعية افتراضية يعيشها الفرد من خلال الأدب والمسرح أو السينما على سبيل المثال، ومن ثم يحاول الوعي أن يتكيّف معها. ويمكنني أن أقدم مثالين اثنين: المثال الأول يتعلق بالدّور الذي لعبته رواية فكتور هيغو “اليوم الأخير لمحكوم عليه بالإعدام” في تعديل موقف الناس من عقوبة الإعدام واستعدادهم لتقبل إلغاء عقوبة الموت عندما تقرر إلغاؤها. ويتعلق المثال الثاني بالدور الذي لعبه فيلم فيلاديلفيا (إخراج جوناثان ديم 2003) في تعديل مواقف الكثيرين من مسألة حقوق مثليي الجنس. ودعنا ننتهز الفرصة لاستعادة السؤال الذي طرحه الكثيرون: ما وظيفة الأدب؟ من وجهة نظر الفلسفة السياسية أقترح الإجابة التالية: وظيفة الأدب أن يخلق وضعيات افتراضية تدفع الوعي إلى التكيف، ومن ثم تتطوّر الآراء وترتقي المواقف. وبهذا النحو يساهم الأدب في تطور وعي الإنسان.

لكي يتطوّر الوعي، لابدّ أن يجد نفسه أمام وضعية جديدة، قد يفرزها حدثٌ مفصلي كبير، قد يخلقها واقع تشريعي جديد، وقد تكون افتراضية يثيرها الأدب والسينما والفنون الجميلة. أثناء ذلك لا يكون الحوار غائبا أو ملغيا، كما لا يكون هو الكل في الكل، وإنما يكون الحوار مجرّد جهد مواز يصاحب الوعي ويشجعه على المضي في التكيّف مع الوضعية الجديدة، أكانت وضعية واقعية أم افتراضية، وهذا لا يتحقق داخل مجتمع ساكن لا يحدث فيه شيء يُذكر، ولا داخل مجتمع جامد حيث القوانين لا تتطور، ولا داخل مجتمع متحجر حيث الآداب والفنون لا تظهر إلا فيما ندر.


كاتب مغربي

8