في نقد الحاجة إلى شيوخ الدين؟

الطلب على الفتوى فرصة لتعزيز سلطة الفقيه، حتى ولو كان سيمارسها بالكثير من الشطط طالما لا يحاسبه القانون.
السبت 2018/05/26
في مستوى اللاوعي لا نمنح شيوخ الدين إلا القليل من الثقة

من اللاّفت للنظر أن منسوب العبادات يرتفع في شهر رمضان الكريم. وهذا الأمر محمود في حد ذاته وفي كل أحواله. بالموازاة يرتفع الطلب على الفتوى أيضا. غير أن الأمر هنا لا يقتصر على المسائل المتعلقة بالصيام، من قبيل تدابير الصحة، ومواد النظافة، وإجراءات الوقاية، واستعمال العطور، إلخ، وإنما يطال الأمر كل تفاصيل الحياة العامة والحياة الخاصة على حد سواء. طبيعي أن يرتفع العرض بارتفاع الطلب، لكن ثمة بين العرض والطلب وسطاء فيما يشبه الأنشطة المدرة للدخل، من قبيل الفضائيات، وشركات الاتصال، وأكشاك الفتوى أحيانا، وغير ذلك. تمثل الفتوى في موروثنا الديني السلطة الحقيقية للفقيه. وهي آخر ما بقي له بعد انحسار سائر سلطاته الأخرى في سياق نشوء الدولة الحديثة. لذلك يكون الطلب على الفتوى فرصة لتعزيز سلطة الفقيه، حتى ولو كان سيمارسها بالكثير من الشطط طالما لا يحاسبه القانون.

غير أن الملاحظ أن الأسئلة التي يتلقاها الفقيه تبقى هي نفس الأسئلة تقريبا، تتكرر عاما بعد عام، وجيلا بعد جيل، بل الأدهى أن الغالبية العظمى من الأسئلة التي طُرحت قبل ألف عام هي نفسها التي لا تزال تُطرح إلى غاية اليوم، سواء في مجال العبادات أو في مجال المعاملات.

الناظر إلى تاريخ الفتاوى يكاد يشعر بأن الزمان متوقف، فالأسئلة هي نفسها، والأجوبة هي نفسها، سواء في آداب الجنس، أو أنواع الطلاق، أو مبطلات الصوم، أو الفنون الجميلة، أو العلاقة مع غير المسلم، أو غير ذلك. بل قد نجد نفس الشخص أحياناً يكرر نفس السؤال على أكثر من شيخ واحد، أو حتى أنه قد يكرر نفس السؤال على نفس الشيخ في أوقات مختلفة. تكرار نفس الأسئلة يعني أن ثمة في مستوى اللاوعي أزمة ثقة في الأجوبة المقترحة.

محصلة القول إننا بقدر ما نميل إلى تعظيم شيوخ الدين في مستوى الوعي فإننا في مستوى اللاوعي لا نمنحهم إلا القليل من الثقة. وبكل تأكيد ثمة سبب لذلك.

لا يقتصر السبب على كثرة الفتاوى المستغربة والمستهجنة، من قبيل فتاوى إرضاع الكبير، أو مضاجعة الزوجة الميتة، أو نكاح الجن، أو نحو ذلك، لكن السبب الأساسي لعدم ثقة المسلم في الشيخ الذي يعظمه كامن في عدم ثقة المسلم في نفسه أولا. فإنه قد يكون مريضا لا يقدر على الصيام، أو يعلم أن الصوم يشكل خطرا على حياته، ومع ذلك لا يثق في نفسه، بل يريد شيخا يتحمل بدلا عنه مسؤولية القرار. ثم إنه لم يعد يكتفي بفتوى الشيخ بل يطلب من الطبيب أن يلعب دور الشيخ مباشرة بحيث ينتظر منه “فتوى” بدل “رأي طبي”، فلا يريد أن يسمع فقط عبارة “إن الصوم قد يكون مضرا لك”، وإنما يريد أن يسمع عبارة “يجب عليك /أو يجوز لك أن تفطر رمضان”.

دور الفقهاء يجب أن يتغيّر جذريا
دور الفقهاء يجب أن يتغيّر جذريا

التقيت مؤخرا بأحد المعتقلين السابقين للسلفية الجهادية بالمغرب، وروى لي كيف أنهم دخلوا في إضراب عن الطعام داخل السجن المركزي بالقنيطرة، وذلك استجابة لفتاوى بعض الشيوخ. بالطبع لم يكن يضرب عن الطعام سوى المريدين أما الشيوخ فتكفي بركاتهم، كما روى لي بنفسه، وكما أكد لي العديد من المعتقلين السابقين للسلفية الجهادية. ثم إن الأمر أنهكه بسبب ظروفه الصحية، فأوشك على الهلاك، وبدأ يبحث عن أي شيخ قد يلتقي به في أحد ممرات السجن لكي يسأله، وعلى أمل أن يمنحه رخصة التوقف عن الإضراب عن الطعام، مراعاة لظروفه الصحية. وكاد يموت دون أن يعثر على مراده لولا أن إدارة السجن قررت الاستجابة لمطالب السجناء، ومن ثمة جاء الفرج.

عموما هناك ثلاث خدائع أساسية في بنية “الرأي الشرعي” لدى الفقهاء:

أولا، حين يُسأل الشيخ عن رأي الشرع في هذه المسألة أو تلك، فالمؤكد أننا سنحصل على رأي الشيخ في آخر المطاف، وليس رأي الشرع؛ فلا وجود لشيء اسمه رأي الشرع. ولذلك يحسن أن يكون السؤال على هذه الطريقة: ما هو رأي الشيخ فيما يظنه رأي الشرع في هذه المسألة أو تلك؟

ثانيا، حين يصدر الشيخ فتوى فهو يجيب عن حالة خاصة هي حالة السائل بالذات. ولا يمكن أن تصير الفتوى حكما عاما يشمل الآخرين غير السائل. لأن الأمر لا يتعلق بالقانون وإنما بالفتوى. الخلط بين الفتوى والقانون خديعة أخرى. وفي كل الأحوال يجب أن تكون الفتوى خاضعة للقانون وليس العكس.

ثالثا، وظيفة الفقيه الذي يصدر الفتوى أن يقدم للسائل المتدين جوابا دينيا يسهل حياته بدل أن يعقدها. لذلك، يجب عليه أن يحترم القانون أولاً. وثانيا، عليه أن يحترم حقائق العلم سواء تعلق الأمر بالعلوم الطبيعية أو بالعلوم الإنسانية. وثالثا، عليه أن يحترم خصوصيات الذات السائلة من حيث رغباتها وقدراتها، حتى لا يُسبب للمسلمين الحزن، والاكتئاب، والشعور بالذنب، والكراهية، والغضب، وما إلى ذلك من غرائز الانحطاط الإنساني التي يساهم فيها الكثير من الفقهاء، وبئس ما يفعلون.

دور الفقهاء يجب أن يتغيّر جذريا، بحيث لا يجب أن يعملوا من أجل شقاء الإنسان، بل من أجل سعادته -لم لا؟- وهذا المراد نراه ممكنا، لكن الكلام فيه مقام آخر.

20