في نقد الرؤى الاقتصادية السورية المتعددة

الأربعاء 2014/12/03

الأزمة الاقتصادية السورية ليست وليدة سنوات الثورة، بل لها جذورها العميقة في الاقتصاد السوري. تفاقمت بعد انتهاج النظام السياسيات الليبرالية الجديدة في الاقتصاد؛ فقد شهدت البلاد انفتاحاً اقتصادياً متسارعاً منذ عام 2007، حيث غزت المنتجات التركية والصينية والأوروبية والمصرية وكذلك الخليجية الأسواق السورية، لتدمر المنتج الوطني الصناعي والزراعي، وتصاعدت مع رفع أسعار الأعلاف والمحروقات.

هذه السياسات نتج عنها ملايين الشبان والشابات، ومنهم خريجو جامعات، بلا عمل وبلا أفق للحياة بالحد الأدنى. كل ذلك دفع الشباب للانخراط في الثورة، وتحدي الموت بدءاً بالرصاص وحتى البراميل المتفجرة.

ضاعفت حرب النظام على الشعب من حدة الأزمة الاقتصادية، بسبب التدمير والتجويع والحصار، والإنفاق الكبير على آلة القتل العسكرية؛ وأيضاً بسبب استمراره في انتهاج السياسات الليبرالية الجديدة نحو المزيد من الانفتاح الاقتصادي، والمزيد من الخصخصة، لتستفيد منها قلة فقط من رجال الأعمال المحيطين بالنظام، ويستمرون باكتناز رؤوس الأموال من أفواه الشعب، رغم أن معدل الفقر تزايد من 33 بالمئة في 2011، إلى ما يفوق الـ75 بالمئة اليوم. هذا فضلاً عن حالة عدم الاستقرار السياسي التي تحل بالبلاد، وسيطرة التيارات الجهادية، بمختلف تنويعاتها، على الجناح العسكري للثورة.

معظم الرؤى الاقتصادية المطروحة تتبع مصلحة الفئات التي تقول بها: فرجال الأعمال غير المستفيدين من النظام يضعون المشكلة كلَّها في فساد النظام وسيطرته الأمنية، ويوافقون سياساته الليبرالية، وبالتالي هم يرون أن من حقهم أن يكونوا في الدائرة الضيقة المستفيدة من تلك السياسات، ليس إلا، دون النظر إلى تحسين الأوضاع المعيشية لكل الشعب، سوى توفير بعض الوظائف في مشاريعهم الخدمية والهامشية وباستغلال كبير.

أما المثقفون وأبناء الطبقة الوسطى، فهم يتطلعون إلى توسيع مساحة حرية التعبير، والحد من التدخلات الأمنية في أمورهم الشخصية، وليست لديهم تصورات حول الأزمة الاقتصادية، حيث يرونها نتيجة، وليست الأساس المسبب والمحدد للسياسات الأخرى؛ وهم في الغالب يتطلعون إلى وظائف في المرافق الخدمية التي تحتاج إلى بعض المهارات التقنية، والعمل في البنوك والمصارف؛ ويمكنهم إيجاد الفرصة عبر شبكة العلاقات التي يقيمونها في وسطهم الضيق. ولا يهتمون بأزمة بقية الشعب المفقّر في الأرياف والأحياء الفقيرة.

المعارضون السوريون في أغلبهم ينتقدون النظام لاحتكاره السلطة؛ هؤلاء مطلبهم الديمقراطية؛ الديمقراطية الضعيفة التي توصلهم إلى الحكم، أو أقلها المشاركة فيه. وهم ربما لا يشعرون بأزمة الشعب المعيشية، سوى للاستفادة منها في “شيطنة” النظام، ودعوة الغرب ليتدخل للإنقاذ والإطاحة به، كما يتوهمون، دون أن يطرحوا البديل السياسي والاقتصادي، كبرنامج واقعي يلبي حاجات كل الشعب؛ هؤلاء يطرحون أنفسهم كبديل، مع تأكيدهم على الاستمرار في سياسات النظام الليبرالية التفقيرية نفسها، لكن بتغيير الأشخاص المستفيدين، أو بالتشارك معهم. ولعل سلسلة مؤتمرات إعادة هيكلة الاقتصاد السوري وإعادة الإعمار، التي عُقدت بين دبي وبرلين، برعاية دول “أصدقاء الشعب السوري”، تؤكد تلك التوجهات.

إعلام النظام السوري ومنظروه يثنون على استمراره بالانفتاح الاقتصادي، رغم تهكم مؤيديه من المفقرين، ويؤيدون اللجوء إلى الاقتراض والاستثمارات الأجنبية لإعادة الإعمار. أما اليسار الممانع، خصوصاً “يسار قدري جميل”، فهؤلاء مصابون بانفصام شخصية “يساري”؛ فهم ينتقدون الانفتاح الاقتصادي للنظام على الغرب وتركيا والخليج، ويؤيدون الانفتاح تجاه ما يسمونه “الشرق”، أي روسيا والصين، بوصفها دولاً “اشتراكية” حسب رأيهم، وربما إيران أيضاً، وهم يتغافلون- قصداً- عن السياسات الإمبريالية لروسيا والصين في نهب الشعوب، والتي بنوكُها تنافسُ بنوكَ الغرب على الأدوار الاحتكارية ذاتها، في تقديم القروض وفرض سياسات التقشف على الحكومات، وإجبار الدول المقترضة على تقليل حجم الصرف الحكومي على الخدمات الاجتماعية، وفرض الضرائب التنازلية.

بعضُ الباحثين الاقتصاديين يرون أنّ حلَّ الأزمة الاقتصادية يمر عبر اقتصاد السوق الحر، والاعتماد على القطاع الخاص، وذلك بشكل مترافق مع الاستقرار السياسي، والديمقراطية، وإقرار العقد الاجتماعي الذي يكفل المواطنة والحريات العامة وغيرها من القيم الحداثية، لكن بشرط تدخل “ذكي” للدولة، من أجل ضمان توزيع أكثر عدالة للدخل، وضمان الخدمات الاجتماعية المجانية. هو رأي يريد محاكاة الدولة “الكينزية”، على غرار بعض الدول الأوروبية الغربية. هذا الطرح لا يخلو من ميل سلبي تجاه أيديولوجيا متخيلة تربط اليسار بالبيروقراطية والفساد. هذا الرأي يقرّ بكارثية الانفتاح الاقتصادي على الشعب، ويرى تحقيق التوازن بتدخلٍ إرادي للدولة لصالح الشعب؛ الأمر غير الواقعي.

فتلك الدّول “المثال” هي دول رأسمالية قبل كل شيء، ومحكومة بمافيات رجال الأعمال المستفيدة من سياساتها الداخلية والخارجية في نهب شعوب العالم. أما المكاسب الشعبية فقد حصلت عليها شعوب تلك الدول بعد تاريخ مرير من نضالاتها عبر المنظمات والأحزاب العمالية واليسارية، وذلك بعد التسوية التاريخية لتلك الأحزاب والمنظمات مع دولها. بحيث صارت حماية مكاسب الشعب، هي مهمة منظمات شعبية حكومية قوية شريكة في الرقابة وفي صنع القرار. وهي في صراع دائم مع الحكومات، للمحافظة على مكاسب الشعب؛ وكثيراً ما تنتصر السياسات الليبرالية الجديدة وتتقلص تلك المكاسب.

إذن هي مهمة اليسار في قيادة نضالات الشعب وفي حشده للضغط على الحكومة/ الدولة، لضمان حقوقه في العدالة الاجتماعية، وكذلك في مراقبته بنفسه للعملية الديمقراطية، ولضمان الحريات، ولجعل القطاعين العام والخاص منتجين، بعيداً عن السياسات الليبرالية الجديدة.

بقي القول أن السياسات الغربية للدول العظمى المتصارعة على سوريا غير معنية بالاستقرار وبتحسين معيشة الخلق، بل هي معنية أولاً بتقاسم النفوذ في المنطقة، وتقاسم الاستثمارات والهيمنة الاقتصادية والسياسية. وثانياً معنية بأمن إسرائيل؛ وثالثاً بتحويل سوريا إلى دولة ضعيفة عبر إطالة عمر النظام الذي يدمرها، وعبر السماح للجهادية بالتمدد فيها، وعبر إقرار حل سياسي، لاحقاً، يقوم على محاصصات، غالباً طائفية، لإغراق الشعب في مشكلات أيديولوجية، كي لا يقوى على العودة إلى الثورة.


كاتبة سورية

8