في نقد السؤال: من المستفيد من الجريمة

الاثنين 2016/10/03

مَن المستفيد من الجريمة؟ سؤال واسع الشّهرة ذائع الصيت، وهو أوّل ما يقفز إلى الأذهان عقب وقوع الجريمة. غير أنّه في آخر المطاف، سؤال لا يخلو من استسهال قد يبلغ حدّ الاستغفال في بعض الأحيان، لا سيما عندما نكون بصدد جريمة سياسية. من المستفيد من الجريمة؟ هل يكفي أن نطرح مثل هذا السؤال البسيط حتى نفلح في إماطة اللثام عن الفاعل الحقيقي في الجريمة؟ المستغرب أن هناك من السياسيين والإعلاميين من يخال السؤال سؤالا احترافيا يندرج ضمن أسئلة “علم الجريمة”، بحيث يكفي أن نسأل أنفسنا، من هو المستفيد من الجريمة؟ حتى يظهر الحقّ وتنكشف الحقيقة بلا لبس ولا غموض. لكن الوجه الآخر لهذه المعادلة أن الخاسر الأكبر في الجريمة السياسية سيكون بريئا بالضرورة، إن لم يكن هو الضحية. وبلا شك، من شأن مثل هذه المعادلة أن تقلب كل الحقائق رأسا على عقب.

حسبنا أن نبين أنّ الأمر هنا يتعلق بسؤال بالغ الخطورة والضرر، سؤال ضال ومضلل، وربّما ينمّ عن مكر سياسي في بعض الحالات. وفي كل الأحوال، ثمة ثلاثة معطيات أساسية يتم تجاهلها أو التغاضي عنها عند التساؤل حول المستفيد من الجريمة، وبوسعنا أن نبسطها على النحو التالي:

أوّلا، غلبة الطابع الانفعالي على معظم جرائم العنف السياسي، ما يجعل المجرم قد لا يكون مستفيدا من الجريمة بأي حال، وعلى الأقل ليس مستفيدا بنحو واضح يسهل ضبطه وقياسه. يصدق هذا القول على الكثير من جرائم الحق العام، لكنه يصدق أكثر ما يكون على الجرائم ذات الطابع السياسي. السؤال، من المستفيد من الجريمة؟ يفترض أن الجرائم لا تقترف إلا بعد تحديد واضح ودقيق للمصلحة والفائدة، سواء في الإطار الشخصي أو الإطار العام. لكن، هل جميع المجرمين والقتلة في الحقل السياسي يقيمون وزنا لحسابات الربح والخسارة؟ فعلا، في بعض الجرائم العادية قد ينفذ المجرم جريمة القتل ثم يستولي على مال الضحية، أو يحتكر نصيبها من الإرث، أو يحتل منصبها، وبعدها يغدو التحقيق مجرّد لعبة مسلية، بحيث يبدأ العمل من فرضية الشخص الذي يُرجح أن تظهر عليه آثار “النعمة”. هذا صحيح نسبيا وفعال أحيانا، لكن هل يصدق هذا الأمر على الجرائم السياسية؟

الواقع أنّ معظم الجرائم السياسية تحدث بدافع انفعالي لا حساب فيه للمصلحة أو المنفعة، سياسية أم اجتماعية، بل الكثير من الجرائم السياسية التي تقف خلفها منظمات سياسية قائمة الذات قد انتهت إلى تمكين السلطات من تدمير تلك المنظمات (حالة الشبيبة الإسلامية في المغرب عقب اغتيال الزّعيم اليساري عمر بنجلون). فهل يكفي أن يكون المجرم غير مستفيد من جريمته، بل قد يكون الخاسر الأول أو الخاسر الوحيد، حتى يصبح بريئا من التهمة؟ بلا شك، فإننا أمام منطق لا يصمد أمام الحس النقدي.

ثانيا، ثمة اعتبار آخر، هو مستوى التّعقيد والتشابك الذي يسم الظواهر السياسية للعصر الرّاهن، ما يجعل الاستفادة من الجريمة قد تكون في المكان غير المتوقع. ومن ثمّة ليس من علامات الذّكاء التعويل على سؤال، من المستفيد من الجريمة؟ لا سيما بالنظر إلى عصر التعقيد الذي دخلنا إليه، والذي يتطلب القدرة على ممارسة ما يصطلح عليه إدغار موران بالفكر المركب. أن يتم تحديد هوية المجرم باعتباره المستفيد الأول من الجريمة، أسلوب يتميّز بالخطية والبساطة والركاكة أيضا، بيد أنه أسلوب مخادع كذلك. فليس يخفى أنّ الأسئلة الخاطئة تقود بالضرورة إلى أجوبة خاطئة، إن لم تكن الغاية منها ممارسة التضليل عن قصد. ولنختبر ذلك الأسلوب على ضوء الوقائع: مثلا، من المرجح أن يكون اليمين المتطرف في المجتمعات الغربية هو المستفيد الأول من كل عملية إرهابية يقترفها مسلمون متطرفون مهاجرون أو من أصول مهاجرة، فهل يعني ذلك أنّ اليمين المتطرف هو الذي يقف وراء شبكات تجنيد الجهاديين؟ مرّة أخرى فنحن أمام منطق مخادع مضلل.

ثالثا، ليس تحديد المستفيد في الجرائم السياسية سوى تأويل قد ينطلق من تقديرات وانطباعات. أن نحدد بأن هذا الطرف أو ذاك هو المستفيد من هذه الجريمة السياسية أو تلك، فهذا الأمر يحتاج إلى تحديد معايير موضوعية للحكم بالاستفادة. ما هي معايير تحديد الفائدة الملموسة في العنف السياسي؟ يتعلق الأمر بمعضلة نظرية يصعب حلها. مثلا، عندما نتساءل حول المستفيد من العنف الدائر في سوريا اليوم، فإننا سرعان ما نجد أنفسنا أمام فرضيات متناقضة تحظى جميعها بقدر من المعقولية. لكن، دعنا نختار جريمة محددة حتى يكون الاستدلال واضحا: جريمة اغتيال رفيق الحريري. إذا استعملنا نفس المبدأ في هذه الجريمة فقد ننتهي إلى تبرئة ذمة النظام السوري؛ لأن النظام إياه ليس مستفيدا بأي حال من الجريمة، بل هو الخاسر الأكبر طالما اضطر إلى الانسحاب من لبنان، بكل ما يحمله ذلك الانسحاب من خيبة. هل تكفي الخسارة كدليل على البراءة؟ لا شك أننا في حاجة إلى مراجعة ذلك المنطق.

من المستفيد من الجريمة؟ سؤال لا ينفع دائما لكنه يخدع أحيانا، بل لعله السؤال الذي يجب التشطيب عليه، والكف عن طرحه، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالجريمة السياسية، ولا سيما وأن الغالبية العظمى من المتورطين في الجرائم السياسية ليسوا مستفيدين بالضرورة من جرائمهم، ولا سيما وأن التداعيات قد تأتي خلاف كل التوقعات، ما يجعل من السياسة مجالا لتدبير الارتياب.

كاتب مغربي

9