في نقد "لا مشروع" المعارضة السورية

السبت 2017/04/22

خلال السنوات الست الماضية أنتجت الحالة السورية تجمعات كثيرة للمعارضة، وصلت إلى حالة التخمة، ومردّ ذلك حالة الجفاف الطويلة التي عاشتها سوريا على مدى عقود، واقتصار المشهد السوري على الصوت الواحد والحزب الواحد، فضلا عن تأثيرات المشهد السوري الجديد والانقسام الحاد في الشارع بين مؤيد ومعارض.

إلا أن تلك التجمعات لم تستطع، حتى اليوم، أن تقدم بديلا مقنعا عن النظام السوري القائم، الذي ورغم الضعف الذي طرأ على بنيته الأساسية، إلا أنه ظل قادرا على اللعب بأوراق كثيرة، فقد معظمها بسبب خسائره الكبيرة، لكنه على الرغم من ذلك مازال يملك في جعبته بعضها، وربما تكون كافية له إلى أن تنجلي الغمامة التي خلفها التغير الحاد في الموقف السياسي الأميركي، والذي وضعه قاب قوسين أو أدنى من الرحيل، وفق التصريحات الأميركية، التي قد لا تتطور إلى ما هو أبعد من ذلك، في حال وصلت واشنطن وموسكو إلى اتفاق، ربما يضمن لرأس النظام خلاصا مختلفا عما بدأت المعارضة تروج له أو تتمناه.

مراجعة سريعة لمشروع المعارضة على اختلاف تجمعاتها، كافية لملاحظة نوع من المشاريع الطوباوية التي لا يمكن تحقيقها، والتي لا تختلف كثيرا عن مشاريع الوهم التي باعها نظام بشار الأسد على مدى سنوات للسـوريين، فـإن كان النظـام باعها للسـوريين لتنويمهم وجعلهم يقتنعون بالحال السيئة التي كانت عليها البلاد، فإن المعارضة ترسم تلك الأحلام بوصفها قابلة للتحقيق، من دون أن تدرك أن الواقع تغير كثيرا، وأن المعطيات على الأرض تلزمها بالتوقف طويلا قبل إطلاق تلك المشاريع لجمهورها.

الحديث عن سوريا موحدة ودولة ديمقـراطية ومـدنية وغير ذلـك من الشعارات، يحيلنا إلى تصور أن الزمن مازال متوقفا في العام 2011 أي في العام الأول للثورة، أو في أحسن الأحوال عام 2012، مع أن تلك الـ“سوريا” تستلزم عملية إعادة توحيدها مشروعا كاملا متكاملا، ينقذ ما تبقى على الأقل ويؤسس عليه لاحقا، وفق ما يناسب تلك المرحلة التي سـتأتي بعد سقوط النظام، وهو سقوط لا يتوقع أحد أن يكون عاديا أو سلسا، بل سيقود إلى صراعات دموية أخرى، قد تكون فاتحة لحرب أهلية، إن لم يكن هناك تدخل دولي حاسم يفصل بين الجبهات وينزع أسلحة المقاتلين.

ذلك التدخل الدولي إن حدث سيفرض بدوره نوع التقسيم الجغرافي، وهو ما لا نعتقد أن المعارضة وضعته في حساباتها، أو كيفية التعامل معه على المدى الطويل، والاستفادة منه كعامل لتوحيد المناطق لا لترسيخ تقسيمها وتمزقها، مع الأخذ بعين الاعتبار مأساة الملايين من النازحين والمهجرين، والذين لم تعد لهم بيوت أصلا ليعودوا إليها، بعد الدمار الذي أحدثته آلة النظام العسكرية وحلفاؤها، وأعداؤها على حد السواء.

عودة النازحين والمهجرين هي مهمة في غاية الصعوبة، تنوء دول تحت ثقلها، فما بالك بمعارضة مازالت حتى الآن غير قادرة على صياغة مشروع سوري شامل يتوافق عليه السوريون، ويؤيدونها فيه لتكون ممثلتهم فعليا لا نظريا، ولتفاوض بالنيابة عنهم وفق أسس تجعلها تنتمي إلى الشعب الثائر، وهي التي تلقت دعما دوليا كبيرا في مراحل تأسيسها الأولى، وكان السوريون يعولـون عليها، لكن كثرة أخطائها وافتقادها القدرة على تـوحيد السوريين جعلاها تصبح طرفا مساهما في الجحيم السوري.

تبدو المرحلة ملائمة، لتبدأ المعارضة السورية في صياغة مشروع يكون كفيلا بإنقاذ ما تبقى من سوريا، وسيمكنها من إدارة مرحلة انتقالية ستكون في غاية التعقيد والصعوبة… فهل تفعل المعارضة السورية ذلك أم تنتظر من يأخذ بيدها فتسير وراءه؟

كاتب سوري

8