في هجاء الخوف

الخميس 2015/11/12

الخوف منبع العبوديّة حسب هيغل طالما أنّ العبيد في أصلهم محاربون لم يقاتلوا إلى الرّمق الأخير بل فضّلوا الاستسلام على الموت، ومن ثمة تحولوا إلى أسرى ثم صاروا عبيدا. تدريجيا أصبح العبيد ينجبون عبيدا، وبدأت تتشكل منظومة قيم ثقافية وتربوية قائمة على الصبر والطاعة. وحول تلك القيم تشكلت ترسانة ضخمة من الثقافات الشعبية والأساطير والديانات.

عموما فإنّ الخوف هو أساس أخلاق العبيد حسب تصور نيتشه أيضا؛ لأنّ الخوف منبع الطاعة والخنوع والمسكنة والتذلل والتبلد والانحطاط الإنساني. الخوف منبع الرّذائل عند معظم الفلاسفة اليونانيين طالما يُنشئ الناس على الكذب والغش والرياء. لذلك، كانت غاية المعرفة عند أبيقور تحرير النفس من الخوف، وهي الغاية نفسها التي تحكم تأسيس الدولة عند سبينوزا.

الخوف يعلم الإنسان الكذب والغش والمكر والنفاق، ومن ثم يدمر أخلاق المواطنة والسلوك المدني والتي تشترط قدرا من الشفافية والمسؤولية والصدق والمصداقية والالتزام. الخـوف يعطل العقل، يشلّ الإرادة، ويقتل الحرية، بل يقضي على إنسانية الإنسان. لذلك، طبيعيّ أن تراهن كل الأيديولوجيات التسلطية –والتي هي في كل أحوالها ضدّ الطبيعة البشرية– على إشاعة الخـوف بين الناس: الخوف من العدو، الخـوف من الحرب، الخـوف من الآخر، الخـوف من فقدان الهوية، الخـوف من غضب السماء، الـخـوف مـن جهـنم إلخ.

العلّة في ذلك أنّ الإنسان الخائف لا يفكر، لا يقرر، لا يحاور، إنّه كائن لأجل السخرة والاستعباد.

قد يبدو هذا المآل مريحا لمنظومات العبودية والتي تربط الأمن بالطاعة، لكن للمسألة وجها آخر لا يجوز التغاضي عنه: الخوف يهدد الأمن العام ولو بعد حين.

معضلة الإنسان الخائف أنه يراكم الرّعب في وجدانه حتى يصبح وجدانه مجرّد لغم ينسف نفسه ويفجر كلّ شيء. الخائف لا يضرب إلاّ غيلة وغدرا، لا يقاتل إلا مخاتلة وقهرا، إن تمكّن لا يرحم، وإن فرّ لا يُؤتمن، عندما يتكلم لا يتكلم إلا صراخا وعويلا، وعندما ينافس لا ينافس إلا تدافعا واحتيالا، وعندما يصمت لا يصمت إلا تقية وكتمانا.

حين يرتعب الناس فإنهم سرعان ما يفقدون السيطرة على أنفسهم، فيسهل انقيادهم ومن ثم استسلامهم إما لمصدر الرّعب وفق رهان حركات الرّعب التكفيري، وإما أنهم يبحثون عن مـلاذ آخر للحماية قد لا يقل رعبا في بعض الأحيان. وفي كل الأحوال فإنّ المعركة المفصلية ضدّ الرّعب التكفيري تقتضي عدم الوقوع في فخ الخوف، ذلك الخوف الذي يتوقع منه ناشر الرّعب أن يشل قدرة الناس على المقاومة، فيستسلمون لمنبع الرّعب في الأخير.

صدق من قال إن الشيء الوحيد الذي ينبغي أن نخاف منه هو الخوف.

24