في "هنري الرابع" لم يعد الرجال رجالا

شكسبير يدفع ضريبة حملة "أنا أيضا" ودوغما الصواب السياسي من خلال مسرحية "هنري الرابع".
الأربعاء 2019/07/10
الأمير هاري كما في المسرحية

يشهد مسرح “غلوب” الشهير في العاصمة البريطانية حاليا عروض مسرحية “هنري الرابع” لوليم شكسبير، وهي مسرحية مكونة من جزأين تعرض على عرضين منفصلين، في معالجة جديدة مثيرة للجدل.

الذهاب إلى مسرح “غلوب” الذي يقع على الضفة الجنوبية لنهر التايمز في لندن والذي يتخصص في عرض مسرحيات شكسبير، تجربة لها خصوصيتها، فالمسرح مصمم على غرار المسرح القديم الذي أسسه شكسبير لفرقته عام 1599.

ولم يكن قد تم التوصل إلى موقع الأثر الأصلي للمسرح القديم الذي احترق وهدم عام 1613 ثم أعيد بناؤه عام 1614، إلى أن عُثر عليه مصادفة تحت الأرض في موقع تحتله ساحة انتظار سيارات في ساثارك بجنوب لندن، ولكن لم يتمكن فريق الباحثين من الكشف عن كامل بقايا المبنى القديم بسبب وجود عمارة أقيمت فوقه من العمارات التاريخية التي تحظر البلدية هدمها للمحافظة على التراث المعماري للمدينة. لذلك فقد بُني مسرح “غلوب” على بعد نحو 300 متر من موقع المسرح القديم بحيث يطل مباشرة على النهر.

يختلف هذا المسرح عن مسارح لندن المعروفة (يوجد منها حوالي 230 مسرحا) فهو دائري الشكل، مكون من ثلاثة طوابق لمقاعد الجمهور تحيط بالمنصة في شكل قوس، وأما منصة المسرح نفسها فينتصب فيها عمودان من الأعمدة الرخامية ذات الطراز القديم يرفعان سقفها، وأمام المنصة المسرحية التي ترتفع قليلا عن الأرض، توجد مساحة كبيرة خالية بيضاوية الشكل لا سقف لها، أي أنها مفتوحة في الهواء الطلق.

وإذا عرفنا أنه يُسمح بدخول الجمهور بتذاكر رخيصة للوقوف في هذه المساحة المفتوحة غير المغطاة بسقف خلافا للمدرجات الدائرية التي يجلس فيها المشاهدون على أرائك خشبية وليس على مقاعد مريحة، لعرفنا مقدار المغامرة. فالطقس اللندني يتغير بين لحظة وأخرى، والمدينة ممطرة صيفا وشتاء.

واليوم الذي ذهبت فيه إلى المسرح لحضور العرض الأول، كان المطر ينهمر، وكنت أجلس في الطابق الثاني من المدرجات محتميا بالسقف الذي يغطي المدرج، لكني كنت أرثي لجمهور الشباب الذين تزدحم بهم المساحة المكشوفة وهم يغطون رؤوسهم ويجاهدون حتى يتحملوا مشقة الوقوف تحت المطر.

المسرح يعرض “هنري الرابع” على جزأين في عرضين منفصلين بالطبع على أن تختتم الثلاثية بعرض “هنري الخامس”، لكن المشكلة أن المعالجة الجديدة التي اجترأت على النص وعلى الحوار بل وعلى الشخصيات التاريخية الكثيرة التي تحفل بها المسرحيات، حذفت وأضافت وغيرت وبدلت واستبدلت، وبالغت في التهريج بغرض الإضحاك، وأفقدت النص طابعه التاريخي دون أن تتحوّل تماما إلى معالجة عصرية حديثة.

إننا في عصر حركة Mee too “أنا أيضا” التي تطالب بفرض المرأة ولو قسريا على جميع الأعمال الفنية وغير الفنية، وهو ما تُرجم هنا بكل بساطة، بإسناد جميع أدوارالرجال من الشخصيات الرئيسية في المسرحية كما كتبها شكسبير إلى ممثلات.

عروض مسرح "غلوب" تعجب البعض، لكن البعض الآخر انسحب من العرض قبل أن ينتهي، لشعوره بأنه لا يشاهد نص شكسبير.

فمعظم الأدوار الرئيسية: الأمير هاري (الذي سيصبح هنري الخامس) وصديقه الصعلوك البدين فولستاف، وهاري بيرسي الأرستقراطي المتمرد على الملك وغيرهم، أسندت إلى ممثلات يقمن بأدوار الرجال، مع زيادة حضور المرأة بشخصيات من خارج المسرحية، بينما النص الأصلي لشكسبير هو نص “رجالي” أساسا، أي أن حضور المرأة فيه هامشي.

والطريف أن دور الليدي مورتيمر أسند إلى ممثل هو جون ليدر، كما يقوم بدور كاثرين -أخت الملك من زوجة أبيه الثانية- الممثل كولن هيرلي، وأسند دور امرأة الحانة إلى الممثل جوناثان برودبنت، وهكذا أسندت الشخصيات التي يفترض أن يقوم بها ممثلون إلى ممثلات، بينما أسندت شخصيات النساء إلى ممثلين من الرجال. والهدف: التأكيد على فكرة رفض التمييز على أساس “الجندر”، كما روعي تغيير ملامح النساء لكي يبدين كالرجال وبالعكس!

من يذهب لكي يشاهد أمير إنكلترا هاري الذي سيصبح الملك “هنري الخامس”، سيجد نفسه أمام ممثلة أفريقية نحيلة ضئيلة الجسد (الممثلة ساره أمانكوه)، وسيجد أن رفاق الأمير قد أصبحوا من الأفارقة، وكذلك كيت زوجة اللورد بيرسي أو “هوتسبر”، كما استبدل الأرستقراطيون الإنكليز بممثلين أفارقة أو بممثلات يقمن بأدوارهم اتساقا مع مبدأ “الصواب السياسي” والمساواة بين الأجناس والأعراق. كما ستجد أن المشاهد تقفز وتُختصر لكي تتيح مساحة أكبر لما يمكن أن يضحك الجمهور وكأننا أمام هزلية حديثة.

ولا يتغير الديكور إن اعتبرنا أن هناك أصلا ديكورا، كما لا يتغير الضوء الضعيف الساقط من عدة مصابيح صغيرة ثابتة في أعلى المسرح، وتغيب الموسيقى تماما عن العرض، والتلاعب واضح في النص خاصة في ما يتعلق بشخصية فولستاف (التي تقوم بها الممثلة هيلين شليزنجر). وهكذا يقع الراغب في مشاهدة نص شكسبير الأصلي في حيرة وارتباك.

لا بأس بالطبع من تقديم معالجة عصرية مختلفة لمسرحيات شكسبير، أو رؤية جديدة لمسرحياته، وهو ما يحدث في العالم كله منذ أربعة قرون، وهي ميزة مسرح شكسبير الذي يقبل مختلف التفسيرات والمعالجات، لكن يجب أن أعترف أنني لم أحب هذا العرض رغم الجهد الكبير الذي بذله الممثلون، ولم أستوعب التجربة، كما فشلت في معرفة السبب الذي دفع مصممو مبنى المسرح نفسه من الأصل ليجعلوه مسرحا مفتوحا يسمح بسقوط المطر فوق رؤوس الواقفين أصحاب التذاكر الرخيصة، وكأنه عقاب لهم، كما أن البرد يرغم باقي المشاهدين على ارتداء الملابس الشتوية، وتحمل الجلوس لأكثر من ساعتين على آرائك خشبية مرهقة. ويحدث هذا كله لمجرد الإيهام بأنك تعيش مغامرة المسرح كما كانت في القرن الخامس عشر!

عروض مسرح “غلوب” تعجب البعض بالطبع، لكن البعض الآخر انسحب من العرض قبل أن ينتهي، لشعوره بأنه لا يشاهد نص شكسبير، خاصة مع هذا الخليط العجيب من الممثلين الذين يرتدون ملابس عصرية متنافرة وأحذية طويلة من الجلد.

وتعتبر شخصية فولستاف من أشهر شخصيات شكسبير، وهي تظهر في “هنري الرابع” (بجزأيها) كما في “زوجات ويندسور المرحات”، ثم في الفيلم الذي أخرجه وقام ببطولته أوروسون ويلز “أجراس منتصف الليل” (1965). وفي العرض المسرحي الحالي تختطف الممثلة التي تقوم بدور فولستاف، علبة من علب المشروبات من يد صبي من جمهور الواقفين أمام الحلبة، ترتشف منها ثم تلقيها إليه بعد أن تسر له ببعض الكلمات، ويتكرّر هذا أكثر من مرة بغرض كسر الحاجز بين الممثلين والجمهور وهو خروج واضح على طبيعة العرض نفسه الذي لا يتحمل هذا الطابع البريختي المعروف، لكن هذا ما أراده مخرجا العرض.

كانت الخلاصة التي خرجت بها من التجربة، أنك إذا أردت مشاهدة مسرحيات شكسبير “الأصلية” يجب أن تشاهدها من أداء “فرقة شكسبير الملكية” التي تقدم عروضها على المسرح الشهير في بلدة شكسبير التاريخية “ستراتفورد أبون إيفون”، كما تعرض أيضا على مسرح الباربيكان وغيره من مسارح لندن العريقة طوال العام. فعلى الأقل ستجد هناك أن الرجال مازالوا رجالا!

16