في وداع الألمناك

السبت 2016/01/23

قبل قرون من ظهور الإنترنت ووسائل البحث المذهلة التي يمنحها، استطاع العالم الغربي، أن يستثمر ظهور الطباعة، منذ بداياتها، لخلق وسائله الخاصة لبث المعلومة وللبحث عنها. مؤلفات الألمناك شكلت سبقا في هذا الإطار.

ويعود نجاح مؤلفات الألمناك إلى طبيعة المعلومات العملية الموجهة إلى المواطن البسيط، شبه الأمي أحيانا. وهي معلومات تتعلق بالظواهر الطبيعية وبأحداث السنة، وبالفلاحة، وبأحوال الطقس والمناخ، وهو ما قد يفسر الأصل العربي لاسم هذا النوع من المؤلفات، الذي يُنطق أيضا بالألمناخ.

وإن كان المستشرق إدوارد فنديك يرجح كون مصطلح “ألمناك” مأخوذا من عنوان كتاب “المنهاج” في التقاويم، وهو ما أكده أيضا عباس محمود العقاد، في مقال عن التقويم بين العرب والأوروبيين كان قد نشر سنة 1926 بجريدة الأخبار المصرية.

وبشكل عام، قارب عدد مؤلفات الألمناك الصادرة بين سنتي 1600 و1900 الأربعة آلاف عنوان كانت تصدر بشكل سنوي. ويحتفظ التاريخ بمؤلفات حققت نجاحا باهرا وانتظاما على مستوى الصدور.

وفي هذا الإطار، صدر ابتداء من أوائل القرن السابع عشر، “ألمناك لييج”. وكان يعتمد أسلوبا موجها للأميين، تتخفى وراءه رسائل مشفرة تُوظَّف للتواصل بين الجمعيات السرية التي كانت تعرف ازدهارا بمدينة لييج خلال المرحلة. وفي سنة 1683، صدر بفرنسا “الألمناك الملكي”.

وقد استمر ظهوره إلى بدايات القرن العشرين. وكان يقدم سنويا لوائح أفراد العائلة الملكية، قبل الثورة الفرنسية، وكبار الضباط وسفراء وقناصل فرنسا ومدراء البنوك وغيرهم من كبار الموظفين، بشكل يجعل منه مصدر معلومات هامّ عن الإدارة الفرنسية وتحولات هيكلتها وتنظيمها.

كما عرفت فرنسا سنة 1963 صدور سلسلة بعنوان كويد، التي عرفت نجاحا باهرا، حيث انتقلت مبيعاتها من العشرين ألف نسخة خلال سنة إطلاقها إلى المئتي ألف نسخة سنة 2007، تاريخ توقفها.

وخلال ما يناهز الأربعة قرون، استطاعت مؤلفات الألمناك أن تحقق صناعتها الخاصة وأن تطور طبيعة معلوماتها مع تطور حاجيات قرائها. حيث ظهرت إصدارات الألمناك الأدبية التي تقدم قصائد رومانسية، وأخرى تنشر صور أزياء الموضة، أو أخبار السياسة.

ورغم هذه النجاحات الباهرة التي حققتها كتب الألمناك خلال قرون، كان حلول ضيف جديد، اسمه الإنترنت، وراء اختفائها السريع أو تحولها إلى الإصدار الإلكتروني.

أما العناوين التي استطاعت المقاومة فهي محدودة جدا. ولعل أفضل نموذج لذلك هو كتاب فيرمانت الصادر ابتداء من سنة 1886، وبالطبع كان على ناشره الفرنسي هاشيت تخفيض ثمن النسخة وإضافة نكهة الطرافة على الكتاب، حيث من المنتظر أن تضمّ طبعة السنة الجارية أكثر من ألف رسم كاريكاتيري، بالإضافة إلى الكلمات المتقاطعة والسودوكو ووعد بمفاجآت أخرى، تدخل في باب الماركتينغ.

كاتب من المغرب

17