في وداع مكتبة لاسورس

السبت 2015/06/06

لم يكن العابرون لشارع شالة بمدينة الرباط المغربية ينتبهون إلى وجود مكتبة اسمها لاسورس. فلم تكن هناك إشارة تدل على وجود هذه المؤسسة، ولعل ذلك كان رغبة من أصحابها في الحفاظ على طقوس تجعل من هذه المكتبة فضاء للهدوء والتأمل والتفكير.

لكن الكثيرين شعروا بحجم الخسارة التي تركها قرار إغلاق المكتبة لظروف مالية. وكانت الخسارة بالفعل كبيرة لأكثر من اعتبار. فمكتبة لاسورس، التابعة لكاتدرائية مدينة الرباط، كانت تختزل صورة مشرقة عن قيم التسامح والحوار الحضاري بشكله الحقيقي بعيدا عن تخمة الخطابات المروجة له. تاريخُ المكتبة ورصيدها الوثائقي يترجمان ذلك بشكل كبير ودال. ففي سنة 1980، اختار الأب جاك لوفرا، باتفاق مع الكنيسة، فتح المكتبة أمام الباحثين المغاربة. وتَم الاعتماد في تكوين رصيدها على ما كانت تضمه عدد من المكتبات التي كان قد أنشأها أفراد من الجالية الفرنسية بالمغرب، خلال مرحلة الاستعمار، بهدف الاقتراب أكثر من الثقافة المغربية. وشكل ذلك قوةَ المكتبة، خصوصا مع احتوائها على أغلب ما كُتب عن المغرب وثقافته ومجتمعه وتاريخه.

استطاع الأب جاك لوفرا أن يجعل من لاسورس إحدى أهم المكتبات بالمغرب ومصدر معلومات لا غنى عنه للباحث المهتم بالبلد. كان توفق الأب لوفرا في ذلك مدينا لصورته المحترمة بين المثقفين المغاربة ولوضعه أيضا كباحث مهتم بقضايا الحوار الإسلامي المسيحي، حيث كان قد ناقش رسالته لنيل الدكتوراه سنة 1984، تحت عنوان “تجربة حوار: مراكز البحث المسيحية في العالم الإسلامي”، بالإضافة إلى إصداراته العديدة على مستوى الكتب، ومنها مؤلفه “قوة الحوار”.

نجاح لاسورس يعود أيضا إلى سعيها إلى أن تكون في خدمة الثقافة المغربية أساسا، بشكل جعلها تختلف عن وضعية المراكز الثقافية الأجنبية التي يحكمها هاجس نشر لغات وثقافات بلدانها. كانت لاسورس أيضا منشغلة بتحديث أدائها المهني.

وكان من علامات ذلك وضع فهرسها الإلكتروني على موقعها على الويب وإطلاقها مشروع رقمنة رصيدها. وشكلت لاسورس بذلك نموذجا يضاهي تجربة أخرى معروفة، احتضنتها مدينة القاهرة. ويتعلق الأمر بمكتبة المعهد الدومنيكاني الذي كان من بين من توالى على إدارته الأب جاك جومييه، الذي يعتبر أول من قدم ثلاثية نجيب محفوظ إلى الأوروبيين، والأب سيرج دو بوركي، صاحب كتاب “تقاسمنا العيش والملح”، الذي يدوّن فيه تجربته الفريدة كأستاذ محاضر في تاريخ التصوف الإسلامي بجامعة كابول الأفغانية.

بعد إغلاق المكتبة تمّ تحويل رصيدها إلى المكتبة الوطنية للمملكة المغربية. وإذا كان هذا الحل قد ضمن الحفاظ على رصيد هام من الكتب والوثائق، غير أن الوضع الأفضل كان هو أن تبقى لاسورس في مكانها. بالضبط، فضاء للحوار ولتكريس قيم التسامح. وهي القيم التي كان ينتصر إليها بقوة مؤسسُ المكتبة الأب جاك لوفرا، صديق المغرب والعالم الإسلامي، قبل أن يودّعنا منذ سنتين.

كاتب من المغرب

17