في وساطة نهضة تونس دعم لقطر معزولة

السبت 2017/06/17

تواجه قطر أوج عزلة فرضتها على نفسها منذ تأسيس الدويْلة الحديثة. الدوحة تعاملت برعونة مع الموقف الخليجي الداعي إلى مراجعتها لسياستها ومواقفها من المسائل الأمنية وخصوصا ملف الإرهاب. تستمر الدوحة في مواصلة أسلوب التعنّت والخروج عن الصف الخليجي. قطر وجدت نفسها وحيدة، تابعة لحلف مكروه أصلا. حلف التنظيم الإخواني لم يعد ينفع في هكذا مناسبات. كثيرة هي المطبّات الواقعة فيها الدويلة الخليجية. عزل سياسي، مقاطعة اقتصادية، استقطاب ميليشيات وتسفير عناصر إرهابية لبؤر التوتر، جمعيات خيرية ناشطة وقائمات لشخصيات ورموز مورطة تدعمها الدوحة تتجدد أسماؤها كل يوم وغيرها من المشكلات زادت من عزلة الإمارة الخليجية وأوقعتها في أتون ما فعلت.

في تونس تواصل حركة النهضة الإسلامية بقيادة زعيمها راشد الغنوشي سياسة الصمت إزاء ملف الدوحة العالق. ملف الدوحة خرج من أيديها وبات معلقا بوعود ومراجعات حيوية أكثر منها موقفا سياسيا عابرا. موقف أخرس عبّر عنه أكثر المنتسبين للحركة في تطلعاتهم للمشهد السياسي الحرج في الإمارة الخليجية الصديقة. لكن في الدهاليز الضيّقة للحركة تطرح التساؤلات وتروّج أخبار من قبيل أن الحركة تسعى للمحافظة على الوعود التي قدمتها وفاء منها للمراجعات التي قامت بها.

لكن هذا الصمت لم يدم طويلا وسرعان ما تحول إلى مناشدة وبعث رسائل وتلميح بالاستعداد للوساطة. زعيم الحركة راشد الغنوشي وكغيره من المنتسبين إلى تنظيم الإخوان الذين بدأوا يتحسّسون رقابهم جيدا من التصنيفات الجديدة للقوائم الإرهابية، مثلما عبّر هو عن ذلك مرارا وتكرارا، بات متوجسا من أن يأتي الدور على حركته هذه المرة. الغنوشي توجه بنداء إلى العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز طالبا منه “أن يجمع كل أبنائه مجددا على طريق واحد”. معتبرا أنهم (دول الخليج) “كلّهم إخواننا ونأمل في أن يعودوا إلى وحدة الصف ووحدة القلب وإلى التعاون”. ما فات زعيم حركة النهضة أن وحدة القلب والصف والتعاون كلها أسس لمقاربة شاملة في محاربة آفة أضحت تهدد العالم بأسره وهي الإرهاب، وهي تغيب عن قاموس القيادة “الرشيدة” لدولة قطر ولا تعترف بها أصلا. لكن ماذا عن الجمعيات الخيرية الناشطة في تونس والتي تضطلع قطر بتمويلها؟

تنشط في تونس بعد الثورة العديد من الجمعيات الخيرية المشبوهة على غرار جمعية تونس الخيرية وغيرها. هذه الجمعيات زاد عددها إبان فترة حكم الترويكا بقيادة حركة النهضة. العديد من السياسيين البارزين تنبّهوا إلى الأمر وتصدوا بشراسة لهذه الجمعيات داعين إلى حلها وكشف من يقف وراءها. ديدن الشهيدين شكري بلعيد والحاج محمد البراهمي كان في هذا الاتجاه إلى أن انتهى بهما المطاف إلى اغتيالين ظلا إلى حد الساعة عصيين عن الكشف.

تزداد المسألة غموضا عندما يتعلق الأمر بتطبيق القانون في مسائل كهذه. المراجعات التي دعت إليها أحزاب معارضة ومنظمات المجتمع المدني والعديد من الأطياف السياسية في تلك الفترة ظلت طي النسيان وظل التلكؤ في تطبيق القانون لحل هذه الجمعيات وكشف الواقفين وراءها والمتستّرين عليها سيد الموقف. حريّ بحركة النهضة في تونس أن تعلن موقفها من المقاطعة الخليجية لقطر. حري بالحزب الذي يدعي المدنية وأنه قام بمراجعات أن يتبرأ من تحالف الإخوان ويعلن اصطفافه وراء مصلحة الدولة لا الولاء للتنظيم. الفرصة مواتية لكافة القادة والمسؤولين في حركة النهضة الإسلامية في تونس لكي يتوحدوا على موقف واحد من قطر. متى يفهم هؤلاء أن مشروع الجماعة أو التنظيم لم يعد مجديا؟

مشروع الإخوان أظهر فشله وأضحت المراهنة عليه جد خاسرة. قليلون من تنبّهوا لفكرة المراجعات وإعادة التموقع. نهضة تونس رغم إظهارها لتمش عام في هذا المنهج وأنها قامت بالعديد من المراجعات وأعادت ترتيب أوراقها وأضحت حزبا مدنيا، فإن المتابع لأخبار الحركة تتراءى له أن عقلية التنظيم أبدا لن تنسلخ من عقيدة غالبية المنتسبين إليها. الغنوشي دائم التعبير عن ذلك وفي كل مرة يتحدث فيها للإعلام إلا ويترك خيطا رفيعا دلالته في الولاء للتنظيم الأم. جاء ذلك في تأكيده أن ما نشر من قوائم إرهاب مرتبطة بقطر خلال الأزمة هو “فروع للمشكلة الأساسية، وعندما تعود حبال الود والتواصل بين إخواننا في الخليج في السعودية والإمارات، فإن كل هذه الفروع ستزول”. يتناسى زعيم حركة النهضة أو أنه يتعمّد التناسي أن الفروع التي يتحدث عنها هي أصول لحقيقة الداء الذي يتربّص بالدول الخليجية والعربية عموما، وهو الإرهاب والمتسببون فيه والممولون له والمسندون لانتشاره وتفرعه عبر العالم. وإذا كانت الجماعات والأسماء الناشطة إرهابيا هي فروع، فماذا عن الأصول يا شيخهم؟

كاتب تونسي

4