في وصف المسخ الاستهلاكي

الأحد 2016/06/12

ثمَّة قدم تهتزُّ هُنَا، وقدمٌ أخرى تهتزُّ هُنَاك، وقد حَكَمَ كلتا القدمين عجزٌ مسكونٌ بالتَّردُّدِ عن الرسوخ الثَّابت هنا، أو الثَّبات الرَّاسخ هُناك. وثمَّة يدٌ حديديَّة هائلةُ الكفِّ، مفتوحةُ الأصابعِ على أقصى اتساعٍ يُمكنها بلوغه، تمتدُّ، على نحو آليٍّ، أو ميكانيكي مُبرمج، وفي وتيرة ذات تواتر متصل ومتسارع، لتلتقط شيئاً من هُنَا، فيما تمتدُّ يدٌ ثانية، بوتيرة اليد الأولى، أو بوتيرة انهماك وتسارع أقلَّ أو أكثر قليلاً منها، لتلتقطَ شَيئَاً مِنْ هُنَاكَ.

وفي تناوبٍ مُتسارع ومُتَّصل، تُلْقِي كُلُّ يدٍ بالشيء الذي تلتقطهُ من هنا أو من هُناك، ومن دون أدنى التفات إليه يَتَوَخَّى تفحُّصَهُ، في سلَّة مربوطةٍ في عُنق هذا الكائن الهجينيِّ صاحب اليدين المنهمكتين، طيلة الوقت، في صيرورة التقاط الأشياء الاستهلاكية الجاهزة ومتابعة إلقائها، بنهم فادحٍ وبلاهة مطلقة، في جوف السَّلة المربوطة في عنقه، والتي لا تمتلئ أبداً، بل تظلُّ فارغةً طيلة الوقت، إذْ سرعان ما يختفي، أو يتبخر تماماً، أيُّ شيء يُلقى فيها، وكأنَّما هي سلَّةٌ بلا قاع، أو كأنَّما تُوجد تحت قاعها المتهتِّك المخروم ذي الفتحات المنفرجة والتَّشقُّقات الواسعة والانفراجات العريضة، أيادٍ تلتقط ما يُلقى فيها لتقذفه في جوف أفواهٍ كلبيَّة نهمة لا تشبعُ ولا ترتوي، بل تزدادُ ظمأً وجوعاً مع تزايد حاجة ذلك الكائن، وأشباهه ونظائره، إلى إشباع حاجاتٍ جديدة تمَّ تقرير حاجتهم إليها من قِبَلِ مَنْ قام بتنزيلها في خلايا أدمغتهم الإلكترونية الجامدةالصَّلدَة التي يجري تحديثها باستمرار، أو في شعاب أدمغتهم التَّكَلُّسية المتصلِّبة المُسْتَلَّة من دياميس قبو قديم لا يُحَدَّثُ!

يتفاقم النَّهم فينتجُ جشعاً يتفاقم بدوره ليصبح ضرورة وحاجة تتطلبان المواجهة والإشباع، وهنا، في هذه الوضعية على وجه التحديد، يجدُ الكائن الهجيني نفسه في خضم معتركٍ ضَارٍ تتحفَّزُ في مجرى إمعانه الغريزي فيه غرائزُ أُخرى؛ غرائز حيوانيِّة توحُّشية سبق للحضارة الإنسانية أن تعاملت معها فاستئنستها وأنسنتها، وذلك في مجرى صيرورة الصراع الأبدي ما بين التَّوَحُّش والإنسانيَّة، بدءاً من أوَّلِ حكاية أو أسطورة أو سردية، نُقِشَتْ على حجرٍ أو رُويت شِفَاهةً عبر أثير الكلام، عن قتلِ الإنسانِ للإنسانِ (المُتَحَضِّر) على يد أخيه (!) الإنسان الوحش، ومروراً بالرؤية الفلسفيَّة السُّقْراطِيَّةِ الأولى التي تُعْلِي من شأن العقل على حساب الغريزة، وتحثُّ الإنسان على إعمال الأوَّل بغية التَّحكم، بوعيٍّ، في الثانية، حتَّى آخر رؤية فلسفيَّة، صادقة وصافية، تُقيم التَّوازن الخلَّاق ما بين العقل والغريزة، فلا تُضَحِّي بأيٍّ منهما على مذبحِ أيٍّ منهما!

فما الَّذي يُمكنُ لهذا الكائن الهجيني أنْ يصطفيهمن بين الخيارات والبدائل المتاحة أمامهُ في هذا الخضم؟! وهل ثمَّة، أصلاً، من حريّة اختيار متاحة له، أو أمامه، أو بين يديه المُهَيَّأَتينِ للالتقاط الآلي فحسب، ليمارسها، فيصطفي ما يشاءُ ويختار ما يعتقدُ أنَّه خيرٌ لهُ؟! وهل ثمَّة من مشيئة لهذا الكائن يُمكنُ أنْ نقولَ، حقيقةً لا مجازاً أو توسُّعاً، إنها مشيئته؟! وهل لمثل هذا الكائن أنْ يُفَرِّق ما بين الخير والشَّر أو ما بين النَّفع والضَّر؟! وهل هو يعرفُ شيئاً عن ماهيَّتي هاتين الثُّنائيتين التَّأسيسِيَّتن حتى يعرف لماذا؟ وكيفَ، ومتى، وأينَ، يُفرِّقُ بينهما، لينحاز إلى ثنائيَّة متجاوبة منهما طالباً لها ورافضاً كلَّ ما لا يستقيم معها، أو يُناقضها؟!

فلنـتأمَّل صِورَ هذا الكائن الهجينيَّ وتجليَّات هياكله المتكاثرة التي تشغلُ مساحات واسعة في مجتمعاتنا المتهالكة ومدارات حياتن االمُؤجَّلة من زمن بعيد، ولنتفحَّصها برويَّة وتأنٍّ وإمعانٍ، لندركَهَا بعمقٍ يُؤهِّلنا لإبصار مدى انعكاس صِورنا، نعم صِوَرنا، وصِورِ آخرينا من النَّاس، في مراياها: نشأة وتكويناً، وتصرُّفاتٍ، وتمظهرات سلوكٍ، ومغزى وجودٍ، وحُرُوفَ لغةٍ وأثـير كلامٍ، تُفْصِحُ جميعها عمَّا يُمكن أنْ نُسميِّيه منابع عناصر تكوينية، أو مُكوناتٍ ماهَويَّة، تُحدِّدُ هُوِيَّاتها، وتكشفُ طبيعة هذه الهُويَّات عبر التقاط تجلياتٍ تُومئُ إلى ما يدلُّ على جوهرها، إنْ كانَ ثمَّة من جوهرٍ لها يُمْكِنُ تعيينه، أو مزيج جَواهر يمكن التَّعرُّف على بعض منها منفصلاً عن المزيج، أو متماهياً في جـوهرٍ مُعيَّنٍ جامعٍ يجعلُ واحدها عنصراً متمازجاً فيه لا ينفكُّ عنه ولا يُفارقهُ، فلا يُدْرَكُ إلا في هذا المـزيج الذي لا يتبدَّى إلا ذائباً فيه، أو مُغَيَّباً بإطلاقٍ عن التَّـبدِّي فيه لصـالح عناصر أخـُرى تُغيِّبُهُ!

ناقد من فلسطين مقيم في براتسلافا

15