في يوم الحريق

يومها، رأينا أشجار التين كأشجار الصفصاف، التي تُنبئ في مخيلة المُفسّر، ببدء رحلة طويلة حزينة، وإن كانت وظيفتها في الحياة، أن تكسّر سموم الرياح الحارة صيفا، والرياح الباردة شتاء!
الأحد 2019/08/25
ذكرى إحراق الأقصى

عند القيلولة، اجتمع المتدرّبون المنضوون في دورة لتعليم مهارات القتال البحري فوق الماء وتحته، مزوّدين بأجهزة الغطس. كانوا مقاتلي بَرّ، فأرادوا أن يصبحوا مقاتلي بحر ونهر.

الجالسون يومها ظلوا صامتين، بينما جهاز الراديو، يهدر بأنباء “إحراق الأقصى” ويقول إن النار قد التهمت “منبر صلاح الدين” في المُصّلى القِبلي، فضاعت التحفة التي صنعها بنفسه، نورالدين محمود زنكي، الملك العادل وتقي الملوك، بعد أن أسقط الحكم الفاطمي في مصر وطوى مذهبه، وثبّت المذهب السُني، ومهّد لتجربة صلاح الدين، في دحر الصليبيين، في القرن الثاني عشر!

ابتلع المتدرّبون ألسنتهم، وأُغلقت دواخلهم على حُزن وغيظ. كنت واحدا منهم، لكنّ واحدا منّا، قفز فجأة حاملا بندقيته الرشّاشة وصوبها في اتجاه البحر. كنا في سقيفتنا، على موضع صخري عال، عند حافة الماء، شمالي اللاذقية. أفرغ زميلنا رصاص بندقيته، في قلب الموج الهادئ، فلا هدف يتحرّك في مواجهتنا سواه!

كان البحر من أمام، ووراءنا، في نهاية الطريق الضيّق، مخرجنا الوحيد من الموضع الناتئ على الساحل، تكاثفت أشجار التين المُثقلة بثمارها، كأنما تذكّرنا بكل ما هو غضٌ وحلو!

التين في مخيلة مفسّر الأحلام، يرمز إلى العز والتفاؤل، لكن الصخر القريب، الذي كنّا فوقه، التبس على مفسّري رؤى المنام، وإن كانت أقرب التفسيرات إلى أحوالنا، تؤكّد على أن من رأى الصخر في نومه، سيعاني من قسوة أهل الدار، ومن قلّة حيلته وضعف قوته، واضطراره للتمسّك بعروة الصبر!

كان نورالدين زنكي، قد صنع منبر صلاح الدين، من قطع خشبية، مُعشَّق بعضها مع بعض، دون مسامير أو براغ أو أي مادة لاصقة. أنجزه وحفظه على أمل أن يضعه في المسجد إذا حرَّره، فلمّا مات قبل تحريره، نقله صلاح الدين، ووضعه في مكانه في المُصلّى القبلي، بعد تحرير المسجد من دنس الصليبيين.

غير أن الراحل والمجاهد الحقيقي زنكي، أوصى قبل موته، بنبذ الغلوّ في الدين، وبشحن الشريعة بالاستنارة “لكي نمضي أوامرها.. فنحن نحفظ الطريق من لص وقاطع طريق وصاحب غلواء. إن الأذى الحاصل منهم قريب، أفلا نحفظ الدين ونمنع عنه ما يناقض روح الأصل”!.

في وقت تلك القيلولة، يأوي الناس إلى الراحة بنوم قصير أو صحو راكد. لكننا يومها، رأينا أشجار التين كأشجار الصفصاف، التي تُنبئ في مخيلة المُفسّر، ببدء رحلة طويلة حزينة، وإن كانت وظيفتها في الحياة، أن تكسّر سموم الرياح الحارة صيفا، والرياح الباردة شتاء!

24